أزمة “مدرج ميون”: كيف أربكت طائرة (مجهولة) المشهد اليمني وأشعلت حرب الروايات؟

في خضم التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، برزت جزيرة ميون الاستراتيجية، الرابضة في قلب مضيق باب المندب، كمركز لجدل واسع النطاق أثاره تضارب الأنباء حول محاولة إنزال جوي مجهولة الهوية، وهو ما عكس حالة من الارتباك الإعلامي والسياسي استمرت على مدار الساعات الماضية.
بدأت القصة من تقارير صحفية دولية، لعل أبرزها ما أوردته صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، والتي نقلت عن مصادر عسكرية يمنية تفاصيل مفادها أن القوات الحكومية في الجزيرة رفعت مستوى جاهزيتها القتالية القصوى بعد رصد طائرة نقل عسكرية مجهولة حاولت تنفيذ هبوط مفاجئ ومريب في مدرج الجزيرة.
هذه الرواية التي انتشرت كالنار في الهشيم، رسمت سيناريو لمواجهة عسكرية تمكنت فيها القوات المرابطة من التصدي للطائرة وإجبارها على الانسحاب، مما أعطى انطباعاً بوجود تهديد مباشر يمس سيادة واحد من أهم الممرات المائية في العالم.
وقد سارع كُتاب وصحفيون سياسيون، منهم مالك الرواقي وسيف الحاضري، إلى تحليل هذه الواقعة باعتبارها مؤشراً على حساسية الموقع الاستراتيجي للجزيرة، حيث اعتبر الرواقي أن أي محاولة اختراق لميون تعد تهديداً للأمن الملاحي الدولي، بينما ذهب الحاضري إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن تضارب الأنباء بين مصادر تؤكد وأخرى تنفي يعكس أزمة عميقة في إدارة المشهد العسكري وغياب غرفة عمليات موحدة، محذراً من أن هذا الفراغ المعلوماتي يفسح المجال للشائعات ويخدم الأجندات المعادية في ظل حرب إقليمية مستعرة.
وعلى الجانب الآخر من هذا الجدل، جاء الرد الرسمي الحكومي ليحاول احتواء الموقف بنفي قاطع وحاسم، حيث ظهر العميد عبدالجبار الزحزوح، مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، ليؤكد أن هذه الادعاءات عارية تماماً عن الصحة ولا تستند إلى أي وقائع ميدانية، مشدداً على أن الوضع في نطاق جزيرة ميون ومحيط باب المندب مستقر تماماً وتحت السيطرة الكاملة لوحدات خفر السواحل والقوات البحرية التي تعمل وفق خطط تشغيلية واضحة لتأمين المياه الإقليمية.
وفي ذات السياق، أصدرت وزارة الإعلام بياناً رسمياً نقلاً عن مصدر أمني مسؤول، جدد فيه التأكيد على عدم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي أو محاولات إنزال من أي نوع، معتبراً أن ترويج مثل هذه الأخبار يأتي في سياق محاولات متعمدة لبث الشائعات المضللة وإرباك الرأي العام المحلي والدولي.
وما زاد المشهد تعقيداً هو الموقف المتذبذب الذي ظهر به السفير اليمني لدى المملكة المتحدة، الدكتور ياسين سعيد نعمان، الذي نشر في البداية تحذيراً شديد اللهجة عبر صفحته على فيسبوك، وصف فيه محاولة الإنزال بالحدث الخطير الذي يحمل دلالات مرعبة وتوقيتاً يعكس خططاً لتفجير الوضع في المنطقة، مشيداً بما وصفه بـ”التصدي الناجح” للقوات المسلحة.
لكن السفير عاد لاحقاً في تعقيب مثير للتساؤل، ليعلن حذف منشوره بعد تلقيه اتصالات من جهات رسمية تنفي الواقعة، معبراً عن استغرابه من صمت الجهات الرسمية في بداية الأمر أمام تقارير صحفية عالمية نسبت معلوماتها لمصادر عسكرية حكومية.
إن هذا التباين الحاد بين رواية “المصادر العسكرية” التي أكدت الاختراق، وبين “البيانات الرسمية” التي نفته بشدة، وضع المتابع أمام مشهد معقد يمزج بين المخاوف الأمنية الحقيقية وبين صراع الروايات الإعلامية، ليظل التساؤل قائماً حول حقيقة ما جرى في تلك الليلة على مدرج الجزيرة الاستراتيجية، في ظل دعوات ملحة من الوسط الصحفي بضرورة الشفافية المطلقة وإصدار بيانات رسمية فورية من وزارة الدفاع لقطع الطريق أمام التأويلات التي تضعف هيبة الدولة في أهم مواقعها السيادية.






