غزة- الوعل اليمني
في لحظة ثقيلة على القلب، وصلت إلى غزة أجساد لا تشبه الوداع، بل تُجسّد أقسى أشكال الفقد. صناديق مغلقة، وأشلاء بلا ملامح، وأسماء تبحث عن أجسادها. ليس هذا مشهدًا عابرًا في نشرة أخبار، بل فصلٌ جديد من جرحٍ مفتوح يُختبر فيه ما تبقى من ضمير العالم.
سلّمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الأربعاء، إلى قطاع غزة جثامين 54 شهيدًا فلسطينيًا، إضافة إلى 66 صندوقًا تضم رفاتًا وأشلاء وأعضاء بشرية، وذلك عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وفق ما أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة.
إلى مجمع الشفاء
وأفادت وزارة الصحة أن الجثامين والصناديق نُقلت إلى مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، حيث باشرت الطواقم الطبية المختصة التعامل معها وفق الإجراءات الطبية والبروتوكولات المعتمدة، وبالتنسيق مع الجهات الرسمية واللجان ذات العلاقة، تمهيدًا لاستكمال عمليات الفحص والتوثيق، ومحاولة التعرف على الشهداء وتسليمهم لذويهم.
وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات تُنفذ في ظروف إنسانية وصحية بالغة الصعوبة، في ظل نقص حاد في الإمكانيات الطبية والجنائية، ما يعقّد عملية التعرف على الهويات، خاصة في ظل تسليم عدد كبير من الرفات على شكل أشلاء مجزأة.
مخاوف قانونية وحقوقية
من جهته، قال مكتب إعلام الأسرى إن تسليم 54 جثمانًا و66 صندوق أشلاء يعيد فتح ملف جريمة احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، والتي تُعد بحد ذاتها جريمة إنسانية وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
وأوضح المكتب أن استمرار سياسة احتجاز الجثامين في ما يُعرف بـ”مقابر الأرقام” وثلاجات الاحتلال، وحرمان العائلات من وداع أبنائها ودفنهم بما يليق بكرامتهم الإنسانية، يُشكّل عقابًا جماعيًا ممنهجًا، حتى بعد الاستشهاد.
وحذّر المكتب من أن تسليم أشلاء وأعضاء بشرية يثير مخاوف جدية بشأن احتمال العبث بالجثامين أو سرقة الأعضاء، مطالبًا بفتح تحقيق دولي مستقل وشفاف، بإشراف جهات قانونية وطبية مختصة، لضمان عدم إفلات المسؤولين عن هذه الانتهاكات من العقاب.
“أي قانون يجيز إعادة الإنسان أشلاء؟”
وفي تعليق مؤلم، كتب مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش: “أي قانون يجيز إعادة الإنسان أشلاء؟ وصل إلى مجمع الشفاء 54 جثمانًا ترافقهم 66 صندوقًا تضم أشلاء وأعضاء بشرية. لسنا أمام أرقام تُسجل في تقارير، بل أمام آباء وأمهات وأبناء، لكلٍّ منهم اسم وذاكرة وحلم وبيت ما زال ينتظر”.
وأضاف البرش أن إعادة الشهداء بهذه الطريقة ليست مجرد انتهاك إجرائي، بل جريمة أخلاقية وإنسانية، وانتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية التي وُضعت لحماية كرامة الإنسان حيًا وميتًا، معتبرًا أن ما يجري هو محاولة لمحو الهوية وكسر الذاكرة وإذلال الأحياء قبل الأموات.
أرقام الفاجعة المفتوحة
وتقدّر مصادر فلسطينية أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يحتجز أكثر من 770 جثمانًا لشهداء فلسطينيين، بعضهم مدفونون في “مقابر الأرقام”، في واحدة من أكثر السياسات إثارة للجدل والانتهاك في سياق الصراع.
ويأتي تسليم الجثامين في وقتٍ لا تزال فيه آلاف العائلات في غزة تبحث عن مصير أبنائها المفقودين، وسط حرب إبادة متواصلة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، خلّفت أكثر من 243 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، وما يزيد على 11 ألف مفقود، معظمهم من الأطفال والنساء.
ليست هذه الجثامين نهاية الحكاية، بل دليل جديد على أن الموت في غزة لا ينتهي بالاستشهاد، وأن الكرامة الإنسانية لا تزال تُنتهك حتى بعد الرحيل. ففي صناديق مغلقة، عاد الشهداء بلا وداع، وبقي السؤال مفتوحًا: كيف يمكن للعالم أن يصمت أمام إنسان يُعاد إلى أهله أشلاء؟







