إرهاب رقمي وقبضة حديدية.. الاحتلال يحظر المنصات المقدسيّة لتمرير “مخطط رمضان” في الأقصى
القدس المحتلة _ الوعل اليمني
في تصعيد جديد يستهدف المشهد الإعلامي في القدس المحتلة، وقّع وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس أمرًا عسكريًا يقضي بتصنيف عدد من المنصات الإعلامية الإلكترونية الفلسطينية “منظمات إرهابية”، استنادًا إلى ما يُسمى قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي، وذلك بناءً على توصية مباشرة من جهاز الأمن العام (الشاباك).
وبحسب إذاعة جيش الاحتلال، فإن القرار جاء في أعقاب مزاعم أمنية تحدثت عن “محاولات لحركة حماس، خاصة من تركيا وقطاع غزة، لإشعال التوتر في القدس خلال شهر رمضان عبر شبكات إلكترونية تعمل كواجهات إعلامية”. ووفق الرواية الإسرائيلية، فإن تصنيف هذه المنصات يتيح للسلطات إغلاقها، وحظر محتواها الرقمي، وملاحقة العاملين فيها قضائيًا.
منصات مستهدفة وإغلاق قسري
وشمل القرار، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، منصات: “شبكة العاصمة”، و”البوصلة”، و”قدس بلس”، و”معراج”، و”ميدان القدس”، إلى جانب صفحاتها على منصات “تلغرام” و”فيسبوك” و”تيك توك” و”واتساب”.
وفي أولى تداعيات القرار، أعلنت شبكة “العاصمة” توقف جميع أعمالها الصحفية قسرًا، مؤكدة أن القرار يأتي في سياق “محاولات عزل القدس والأقصى عن العالم”. وشددت الشبكة في بيان لها على أن “إسكات الكاميرا لن يُسكت القدس”، معتبرة أن الرواية الفلسطينية “أقوى من قرارات المنع”.
ويأتي هذا الإجراء ضمن سياق أوسع من التضييق المتصاعد على الإعلام المقدسي، لا سيما مع اقتراب شهر رمضان، حيث كثّف الاحتلال حملات الإبعاد عن المسجد الأقصى بحق الصحفيين والمصورين، في محاولة للحد من توثيق الاقتحامات والانتهاكات اليومية في ساحاته.
قيود على الصحفيين
وفي السياق ذاته، أفرجت محكمة إسرائيلية عن الصحفية المقدسية نسرين سالم العبد بشروط مشددة، تضمنت الحبس المنزلي لمدة 10 أيام، والإبعاد عن المسجد الأقصى لمدة 180 يومًا، إضافة إلى منعها من استخدام الهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي طوال فترة الحبس المنزلي، ودفع كفالة مالية.
وأوضح محمد محمود، محامي مركز معلومات وادي حلوة – القدس، أن هذه القيود تهدف إلى “شل القدرة المهنية للصحفيين المقدسيين ومنعهم من تغطية الأحداث الميدانية”، مؤكدًا أن الاحتلال يستخدم سلاح الإبعاد كأداة ممنهجة لتفريغ الأقصى من شهوده الإعلاميين.
تحذيرات من تصعيد أوسع
من جانبه، اعتبر الباحث في شؤون القدس عبد الله معروف أن حظر الوكالات الإعلامية “مؤشر على نية الاحتلال التوجه نحو تصعيد واسع في القدس والأقصى خلال المرحلة المقبلة”، مضيفًا أن السلطات الإسرائيلية “تستبق ذلك بمحاولة كتم الأصوات المقدسية بالكامل”.
بدوره، رأى رئيس مركز القدس الدولي حسن خاطر أن القرار يمثل “تصعيدًا خطيرًا في سياق الصراع على الرواية”، موضحًا أن الاحتلال يسعى إلى تغييب الرواية الفلسطينية وفرض تعتيم إعلامي يسبق – غالبًا – خطوات ميدانية أكثر حساسية تمس المدينة المقدسة ومقدساتها.
وأشار خاطر إلى أن تغييب الإعلام يمهّد المجال أمام الرواية الإسرائيلية لتكون المصدر الوحيد المتاح دوليًا، محذرًا من أن التعتيم الحالي قد يسبق إجراءات أشد خطورة في ملف المسجد الأقصى والتهويد المتدرج للمدينة.
إدانات واستهداف ممنهج
في المقابل، أدان منتدى الإعلاميين الفلسطينيين القرار الإسرائيلي، واصفًا إياه بـ”الانتهاك الصارخ لحرية الصحافة والتعبير”، واعتبر أن تصنيف منصات إعلامية مستقلة كـ”أذرع إرهابية” يمثل محاولة لتجريم العمل الصحفي الفلسطيني وربطه بمسوغات أمنية مزعومة.
وأكد المنتدى أن هذه الإجراءات لن تثني الإعلام الفلسطيني عن أداء رسالته، داعيًا المؤسسات الحقوقية والإعلامية الدولية إلى اتخاذ موقف حازم تجاه ما وصفه بـ”محاولات تصفية الوجود الإعلامي الفلسطيني في القدس”.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد غير مسبوق في استهداف الصحفيين الفلسطينيين منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث تشير معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى مقتل 260 صحفيًا، فيما وثّقت لجنة حماية الصحفيين تعرض عشرات الصحفيين في الضفة وغزة لانتهاكات جسدية ونفسية، شملت الضرب والتجويع والإهمال الطبي وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز.
استمرار إغلاق الجزيرة
وبالتوازي مع حظر المنصات المقدسية، مددت سلطات الاحتلال أمر إغلاق مكتب قناة الجزيرة في رام الله لمدة 90 يومًا إضافية، في التمديد الثاني عشر على التوالي، مستندة إلى أنظمة الطوارئ الموروثة عن الانتداب البريطاني عام 1945.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد فعّلت في مايو/أيار 2024 ما عُرف بـ”قانون الجزيرة”، الذي يتيح لرئيس الوزراء ووزير الاتصالات إغلاق مكاتب القنوات الأجنبية التي تُصنف على أنها “تهديد لأمن الدولة”.
صراع على الرواية
ويرى مراقبون أن توقيت هذه القرارات قبيل شهر رمضان يعكس مخاوف إسرائيلية من التأثير الواسع للمحتوى الرقمي الذي ينتجه الصحفيون والمصورون المقدسيون، لا سيما المقاطع التي توثق الأجواء الروحانية في الأقصى بالتوازي مع الانتهاكات، والتي تحظى بتفاعل عالمي واسع.
وفي هذا الإطار، يؤكد مختصون في شؤون القدس أن الاحتلال يسعى إلى فرض تعتيم إعلامي شامل باعتباره خطوة تمهيدية لفرض وقائع جديدة على الأرض، ضمن مسار تهويد متدرج يستهدف المدينة ومقدساتها.
ورغم ذلك، تشدد الهيئات الإعلامية المقدسية على أن البدائل الرقمية والمبادرات الفردية ستستمر في نقل الصورة، في ظل إدراك متزايد بأن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الرواية والوعي أيضًا.
وبينما يحاول الاحتلال إحكام قبضته على الفضاء الإعلامي في القدس، يصرّ الصحفيون الفلسطينيون على مواصلة أداء رسالتهم، معتبرين أن استهداف المنصات لن يُنهي الحكاية، وأن الكلمة والصورة ستبقيان شاهدتين على ما يجري في قلب المدينة المحتلة.







