إسرائيل و”مجلس سلام غزة”: اعتراض معلن أم توافق مستتر؟

غزة- متابعة الوعل اليمني
في خضمّ الإعلان الأميركي عن تشكيل “مجلس السلام” الخاص بقطاع غزة، برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، برزت مواقف إسرائيلية رافضة ظاهرياً لتركيبة المجلس التنفيذي وآلية تشكيله، مقابل معطيات سياسية وإعلامية تشير إلى أن هذا الرفض لا يتجاوز كونه اعتراضاً شكلياً، يخفي في جوهره انسجاماً واسعاً مع الرؤية الأميركية لمستقبل القطاع، بل وتقاطُعاً عميقاً مع المصالح الإسرائيلية نفسها.
موقف إسرائيلي مرتبك
وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المجلس الجديد بأنه “أعظم وأعرق مجلس جرى تجميعه على الإطلاق”، مشيراً إلى أن مهمته الأساسية تتمثل في الإشراف على المرحلة الثانية من خطته لوقف إطلاق النار في غزة وإدارة ما يُعرف بـ”اليوم التالي” للحرب. غير أن حكومة الاحتلال سارعت إلى الإعلان بأن تشكيل المجلس التنفيذي لغزة لم يتم بالتنسيق معها، وأنه يتعارض مع سياساتها، ولا سيما بسبب ضم شخصيات من تركيا وقطر، وعلى رأسهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والمسؤول القطري علي الذوادي.
هذا الموقف الإسرائيلي العلني ترافق مع انتقادات داخلية حادة، حيث وصف زعيم المعارضة يائير لابيد وجود تركيا في المجلس بأنه “فشل دبلوماسي جسيم” لحكومة بنيامين نتنياهو، في حين عبّر وزراء من اليمين المتطرف، مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، عن غضبهم من إشراك أنقرة والدوحة في ترتيبات إدارة غزة.
اعتراض شكلي
رغم ادعاء نتنياهو أن المجلس لم يكن منسقاً مع إسرائيل، فإن مراقبين اعتبروا هذا الادعاء مثيراً للاستغراب، خاصة في ظل اتصالات مكثفة جرت بينه وبين ترامب خلال الأيام التي سبقت الإعلان، إضافة إلى لقاءات عقدها رئيس الموساد ديفيد برنيع مع كبار مستشاري الرئيس الأميركي في البيت الأبيض.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن السلوك الإسرائيلي في هذه القضية تقليدي ومألوف، يقوم على إظهار الرفض العلني بهدف ابتزاز الإدارة الأميركية سياسياً وانتزاع مكاسب إضافية، مع إرسال رسائل مزدوجة: الأولى موجهة للداخل الإسرائيلي ولحلفاء اليمين المتطرف، والثانية موجهة لأطراف إقليمية ودولية مفادها أن واشنطن هي من يقود المشهد، بينما تبدو إسرائيل وكأنها “غير راضية”، لتسهيل تمرير الخطة.
في هذا السياق، نقلت صحيفة “هآرتس” عن مصادر مطلعة أن تركيبة المجلس التنفيذي “تتماشى عملياً مع نتنياهو”، وأن احتجاجه ليس سوى خطوة شكلية محسوبة.
تركيبة منحازة
اللافت أن الاعتراضات الإسرائيلية جاءت رغم اختيار ترامب شخصيات معروفة بقربها الشديد من تبنّي مواقف تخدم الرؤية الإسرائيلية. فقد جرى تعيين نيكولاي ملادينوف ممثلاً رفيع المستوى لغزة وعضواً في المجلس التنفيذي، إلى جانب آرييه لايتستون وجوش غروينباوم كمستشارين كبار يقودون الإستراتيجية والعمليات اليومية للمجلس.
ملادينوف يتمتع بعلاقات واسعة داخل إسرائيل، وسبق أن عمل منسقاً خاصاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، كما يرتبط بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أحد أبرز مراكز التفكير المرتبطة بصناعة القرار الأميركي والمؤسس من رحم اللوبي المؤيد لإسرائيل (أيباك). وقد بادر المعهد إلى تهنئته فور تعيينه، مشيداً بخبرته والتزامه بصنع السلام.
أما آرييه لايتستون، فقد عمل مستشاراً لسفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل ديفيد فريدمان بين عامي 2017 و2021، وكان له دور محوري في تعزيز العلاقات الأميركية الإسرائيلية، بما في ذلك افتتاح السفارة الأميركية في القدس. ويشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي لمعهد السلام للاتفاقيات الإبراهيمية، ويحمل أوسمة رسمية من الحكومة الإسرائيلية.
في المقابل، يُعد جوش غروينباوم شخصية مثيرة للجدل، إذ تشير تقارير إلى محدودية خبرته، رغم ترقيته السريعة داخل فريق ترامب. وهو معروف بمواقفه المتشددة وقيادته حملات مالية ضد الجامعات الأميركية على خلفية السماح بأنشطة مؤيدة للحق الفلسطيني، واتهامه تلك المؤسسات بالتساهل مع ما يسميه “الخطاب المعادي للصهيونية”.
تهميش الفلسطينيين
ويرى أكاديميون وباحثون أن جوهر الخلاف المعلن لا يمس الأسس الفعلية للخطة. فالبروفيسور أسامة خليل، أستاذ التاريخ بجامعة سيراكيوز، يؤكد أن هناك توافقاً كاملاً بين واشنطن وتل أبيب حول الرؤية العامة لمستقبل غزة، معتبراً أن المجلس ليس أداة لإعادة الإعمار، بل آلية لإدارة القطاع بما يخدم المصالح الإسرائيلية، وصولاً إلى تقليص الوجود الفلسطيني.
وأشار خليل إلى أن المجلس لا يضم أي تمثيل فلسطيني، وأن إدارة ترامب استبعدت السلطة الفلسطينية من النقاشات، ما يعكس توجهاً واضحاً لتجاوز الفاعل الفلسطيني سياسياً، في وقت يتواصل فيه الحصار، ومنع دخول المساعدات، وحظر عمل منظمات الإغاثة، ومنع الإعلام الدولي من دخول القطاع، إلى جانب الخروقات اليومية لوقف إطلاق النار.
سبب الخلاف
رغم التركيز الإسرائيلي على رفض إشراك تركيا وقطر، إلا أن تقارير إسرائيلية، بينها “يديعوت أحرونوت”، أكدت أن تل أبيب كانت على علم مسبق بانخراط البلدين في العملية، وأنها لم تكن قادرة على التأثير في تركيبة اللجنة. كما أشارت إلى عدم وجود أزمة حقيقية مع واشنطن، وأن الاعتراض يقتصر على رفض نشر قوات تركية في غزة.
في المقابل، يبرر فريق ترامب إشراك أنقرة والدوحة بتأثيرهما على حركة حماس، وباستعدادهما للمساهمة في إعادة إعمار القطاع، مع تأكيدات لنتنياهو بأن الولايات المتحدة ستدعم أي تحرك عسكري إسرائيلي في حال عدم نزع سلاح حماس.
تساؤلات دولية
بالتوازي، كشفت صحيفة “هآرتس” عن معارضة أوروبية واسعة للمجلس، حيث نقلت عن دبلوماسيين أن دول الاتحاد الأوروبي لا تتوقع الانضمام إليه. كما تحدثت تقارير عن توجيه دعوات لروسيا وأوكرانيا، بل وحتى لنتنياهو نفسه، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الإطار الدولي وحدود شرعيته، خاصة في ظل وجود شخصيات مطلوبة للمحكمة الجنائية الدولية.
مجمل المعطيات تشير إلى أن الخلاف الأميركي الإسرائيلي حول “مجلس سلام غزة” لا يتجاوز حدود الشكل والتكتيك السياسي، فيما يبقى الجوهر واحداً: إدارة غزة وفق رؤية تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية، مع تهميش الفلسطينيين، وتأجيل القضايا الجوهرية مثل إعادة الإعمار، ونزع السلاح، ومستقبل الحكم في القطاع.
وبين اعتراض إسرائيلي معلن، ورضا ضمني مستتر، يبقى السؤال المركزي: هل يُراد لهذا المجلس أن يكون مدخلاً حقيقياً للسلام، أم أداة جديدة لإعادة إنتاج السيطرة بأدوات سياسية ودبلوماسية؟






