مقالات

الحوثي يهدد السعودية… والإمارات تُربك الاستقرار في اليمن

بقلم :د. علي العسلي

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، عاد الخطاب الحوثي التصعيدي إلى الواجهة، موجّهًا تهديدات مباشرة للمملكة العربية السعودية، ومعلنًا عمليًا انتهاء مرحلة “خفض التصعيد” والقبول بحالة “اللاحرب واللاسلم”. ولا يبدو هذا التحول معزولًا عن السياق الإقليمي، بل مرتبطًا بإدراك الحوثيين لحاجة السعودية إلى الاستقرار وسعيها لتحييد جبهات الاستنزاف، وهو ما تحاول الجماعة استثماره كورقة ضغط سياسية وعسكرية في آن واحد.

خلال الفترة الأخيرة، كثّفت القيادات الحوثية السياسية والعسكرية والإعلامية اتهاماتها للسعودية بخرق التفاهمات السابقة، وبالتورط في أنشطة استخبارية وعسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، سواء في البحر الأحمر أو عبر تنسيق أمني مزعوم من الأراضي السعودية. وهي ادعاءات تفتقر إلى الوقائع، ويغلب عليها الطابع التعبوي، وتهدف أساسًا إلى إعادة شحن الداخل الخاضع للجماعة وتهيئته لاحتمال العودة إلى المواجهة.

واللافت أن الخطاب الحوثي لم يعد يكتفي بالتحريض الإعلامي، بل انتقل إلى تهديدات صريحة باستهداف منشآت وبنى تحتية سعودية، والتلويح بتصعيد نوعي في البحر الأحمر، مع التأكيد على أن أي مواجهة مقبلة “لن تكون شبيهة بما سبق”. وهي رسائل ابتزاز سياسي وعسكري، تسعى إلى رفع كلفة أي خيار سعودي لا يتوافق مع حسابات الجماعة، وتعكس حقيقة أن الحوثيين لا يزدهرون في بيئة الاستقرار، بل يستمدون جزءًا كبيرًا من بقائهم من استمرار الصراع.

وفي المقابل، تبدو مواقف الحوثيين إزاء التطورات في المناطق المحرَّرة، ولا سيما ما يتصل بتمرد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، واستعداده المعلن للتطبيع فور نيل الاعتراف بالدولة التي يحلم بإقامتها، أقرب إلى اللاموقف منها إلى موقف سياسي واضح. بل إن ملامح تخادمٍ سياسي غير مُعلن بين الطرفين باتت تلوح بوضوح في هذا السياق.

ويعزّز هذا الانطباع تداولُ مزاعم عن عروض إماراتية قُدّمت للحوثيين لاستهداف المملكة العربية السعودية مقابل مكاسب سياسية ومالية. وهي مزاعم، بصرف النظر عن مدى صحتها، تكمن خطورتها الحقيقية في توقيت تداولها وطريقة توظيفها سياسيًا، بما يسهم في تعميق الإرباك وإعادة خلط الأوراق داخل المشهد اليمني الهش.

وفي السياق ذاته، سبق للناطق باسم الحوثيين أن تحدّث عن “احتلال إماراتي” للجزر والموانئ اليمنية، وذهب إلى حدّ الادعاء بأن جزيرة سقطرى أُجّرت للإمارات لمدة 99 عامًا، دون أي سند قانوني واضح يبيّن جهة الإيجار أو قيمته أو من يملك حق القبول والمقايضة. وقد بدا هذا الخطاب أقرب إلى تهيئة الرأي العام للتعايش مع الأمر الواقع، لا إلى التحريض على مقاومته، في مفارقة فاضحة من جماعة تدّعي السيادة ومناهضة الاحتلال والتطبيع.

والمفارقة الأوسع أن الحوثي، رغم علمه بانخراط الإمارات في اتفاقات تطبيع مع إسرائيل، يوجّه عداءه السياسي والعسكري أساسًا نحو السعودية، بينما يكاد عداؤه للإمارات ينعدم. هذا التباين يفتح تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة وحدود التخادم غير المعلن، ويعزّز الشكوك بشأن وجود تقاطعات مصلحية تتجاوز الخطاب المعلن والشعارات المرفوعة.

وتتضح هذه التقاطعات أكثر في ضوء ما تكشّف من أدوار متشابكة في أحداث حضرموت، حين أقدم عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، على تحرك أحادي بطابع تمردي على الشرعية التي يُفترض أنه جزء منها، عبر تشكيلات عسكرية ممولة ومدرّبة إماراتيًا، وبقيادة شخصية تُعرف باسم “أبو علي الحضرمي”، تشير مصادر موثوقة إلى تلقيه تدريبات في الضاحية الجنوبية ببيروت، وقيامه بدور حلقة وصل بين المجلس الانتقالي وطهران، بما يضع هذا المسار في دائرة التقاطع الموضوعي مع المشروع الإيراني، وتلقائيًا مع الحسابات الإماراتية في المشهد اليمني.

غير أنّ التحدي الذي تواجهه المملكة العربية السعودية اليوم لا يقتصر على التهديد الحوثي المباشر. فبالتوازي مع هذا التصعيد، برز في الخطاب الإعلامي السعودي الرسمي نقدٌ صريح ومتنامٍ للدور الإماراتي، ولا سيما في ما يتصل بمحاولات الإضرار بأمن المملكة وتقويض الاستقرار في المناطق المحرَّرة، عبر دعم قوى ومليشيات تعمل خارج إطار الدولة اليمنية. وهو ما يفضي عمليًا إلى إضعاف الحكومة الشرعية، وتفريغ مشروع استعادة الدولة من مضمونه الوطني والسيادي.

وهنا تتقاطع تهديداتٌ مختلفة في أدواتها وخطاباتها، لكنها تلتقي في نتيجة واحدة:
إضعاف الدولة اليمنية هو، في جوهره، إضعافٌ مباشر وتطويقٌ للأمن القومي السعودي.

ومع تسارع الأحداث، لم يعد التباين بين الرياض وأبوظبي في الملف اليمني مجرّد اختلافٍ تكتيكي في إدارة الأزمة، بل تحوّل إلى صراعٍ على شكل الدولة اليمنية نفسها: دولةٍ موحَّدة بسلطة مركزية وسلاحٍ شرعي واحد، كما ترى المملكة العربية السعودية، في مقابل واقع التفكيك وتعدّد مراكز النفوذ الموازية، وهو واقع لا يخدم في المحصّلة سوى جماعة الحوثي، ويُسهِم في تعميق حضور المشاريع المعادية للأمن العربي، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني في المنطقة.

وفي استشراف المسار القادم، يتّضح أن الأمن السعودي سيظل مرتبطًا على نحوٍ وثيق بمآلات الدولة اليمنية. فالصاروخ الحوثي خطرٌ آنيّ يمكن احتواؤه، أمّا تفكيك الدولة فهو خطرٌ استراتيجي طويل الأمد. ومن هنا، فإن حماية المملكة تبدأ من حماية اليمن: دولة واحدة، وسلطة واحدة، وسلاح شرعي واحد.

وكل مسارٍ خارج هذا الإطار لا يعيد إنتاج الحرب فحسب، بل يمنح الحوثي ما عجز عن انتزاعه بالقوة، ويمنح الصهاينة ما عجزوا عن فرضه عبر بوابات التطبيع.

زر الذهاب إلى الأعلى