الطوق الأمني حول منزل حمير الأحمر.. تصعيد حوثي يفتح جبهة صراع مع القبيلة

صعّدت جماعة الحوثي خلال الأيام الماضية إجراءاتها الأمنية حول منزل شيخ مشايخ قبيلة حاشد، الشيخ حمير بن عبد الله الأحمر، في منطقة الحصبة شمال صنعاء، في خطوة اعتبرها مراقبون تطوراً خطيراً في مسار العلاقة المتوترة بين الجماعة والبنية القبلية التقليدية في اليمن. الطوق الأمني المشدد، وانتشار المسلحين والعربات العسكرية، وإقامة نقاط تفتيش ثابتة ومتحركة في محيط المنزل، عكست – وفق متابعين – توجهاً واضحاً لإخضاع الرموز الاجتماعية وإعادة رسم حدود النفوذ داخل المجال القبلي.
مصادر قبلية في صنعاء أوضحت أن التعزيزات العسكرية التي أُرسلت إلى الحصبة جاءت بإشراف مباشر من القيادي الحوثي يوسف المداني، وشملت نشر عناصر ملثمة في الشوارع المؤدية إلى منزل الأحمر، مع استحداث نقاط تفتيش تُخضع الداخلين والخارجين لإجراءات تدقيق مشددة، تصل أحياناً إلى تصوير الهويات الشخصية وتسجيل بيانات الزائرين. وبحسب المصادر، مُنع عدد من وجهاء القبائل من زيارة الشيخ، فيما أُجبر آخرون على توقيع تعهدات بعدم تكرار الزيارة، في سلوك وصفه مشايخ بأنه “انتهاك صريح لحرمة البيوت والأعراف القبلية”.
التصعيد لم يتوقف عند حدود التضييق، إذ تعرّض الشيخ جبران مجاهد أبو شوارب للاختطاف أثناء عودته من زيارة تضامنية لمنزل الأحمر، بعد استيقافه في إحدى النقاط الأمنية واقتياده إلى جهة غير معلومة قبل الإفراج عنه لاحقاً. الحادثة أثارت موجة غضب في أوساط قبيلة حاشد، واعتبرها وجهاء في عمران وصنعاء رسالة ترهيب مباشرة لكل من يبدي موقفاً متضامناً مع الشيخ الأحمر.
سكان حي الحصبة تحدثوا عن حالة قلق غير مسبوقة جراء الانتشار المسلح، مؤكدين أن الإجراءات الأمنية أربكت حياتهم اليومية وأثارت مخاوف من احتمال اندلاع مواجهات في أي لحظة. ويرى مراقبون أن الجماعة تسعى من خلال هذه الخطوات إلى فرض واقع أمني جديد يحاصر الرموز الاجتماعية ويحد من قدرتها على الحشد أو التأثير، في إطار سياسة أوسع لتقليص دور المشايخ التقليديين.
وتعود جذور الأزمة إلى سنوات ما بعد انقلاب 2014، حين بدأت الجماعة بإعادة تشكيل العلاقة مع القبائل على قاعدة الولاء المباشر. ففي سبتمبر 2025 مُنعت شعلة ذكرى ثورة 26 سبتمبر من الإيقاد في منزل الشيخ الأحمر لأول مرة منذ عقود، عقب زيارة وفد حوثي برئاسة عبد القادر المرتضى، في خطوة عكست حساسية الجماعة تجاه الرمزية المرتبطة بالثورة الجمهورية. كما طالبت الجماعة لاحقاً بأسماء إعلاميين مقربين من الأحمر على خلفية منشورات تناولت المناسبة، قبل أن تنتهي وساطات قبلية إلى تسوية مؤقتة.
ومع نهاية 2025 وبداية 2026 توسعت الإجراءات الميدانية بإنشاء نقاط تفتيش متتابعة في جولة الساعة وأمام الغرفة التجارية وقرب مستشفى الصحاب وجولة الحباري، ما حوّل الحي إلى مربع أمني مغلق. ورغم اتفاقات جزئية بإزالة بعض النقاط نهاراً، عادت الإجراءات المشددة بصورة أكبر، بما في ذلك إخضاع عدد من مشايخ حاشد للتفتيش والتحقيق.
أكاديمي يمني متخصص في علم الاجتماع السياسي، الدكتور عبد الباسط الشاجري، يرى أن ما يجري يتجاوز الخلافات الظرفية، ويعكس صراعاً أعمق حول المرجعية داخل المجتمع المحلي. ويقول إن الجماعة عملت منذ سيطرتها على صنعاء على نقل مركز القرار من “الشيخ” بوصفه مرجعية عرفية واجتماعية، إلى “المشرف” المرتبط بسلسلة تنظيمية عقائدية، ما أحدث اختلالاً في معادلة تاريخية كانت تمنح القبيلة دوراً مؤثراً في إدارة الشأن العام.
سياسة التضييق على المشايخ لم تقتصر على الحصار أو المنع، بل امتدت – وفق تقارير حقوقية – إلى الاغتيالات والاختطافات. ففي يوليو 2025 قُتل الشيخ علي صلاح جتوم في محافظة عمران بعد اعتراض سيارته، كما تعرّض الشيخ أحمد صالح الحطام في رداع لمحاولة اغتيال بإطلاق نار من قناصة. وتشير إحصاءات تداولتها منظمات محلية إلى مقتل أكثر من 139 شيخاً ووجيهاً اجتماعياً في حوادث مرتبطة بالصراع منذ سنوات، فضلاً عن عشرات محاولات الاغتيال والاختطاف.
من بين أبرز الحوادث السابقة، مقتل الشيخ مسعد المعزبي داخل مقر أمني بمحافظة إب عام 2018، إضافة إلى سلسلة انتهاكات شهدها عام 2019 الذي وصفه ناشطون بأنه من أكثر الأعوام دموية بحق المشايخ، حيث سُجلت عمليات تصفية واختطاف وتفجير منازل في عدة محافظات.
ويرى مراقبون أن الحصار المفروض على منزل الشيخ حمير الأحمر يمثل حلقة جديدة في مسار يهدف إلى تفكيك البنية القبلية التقليدية وإحلال منظومة ولاء بديلة قائمة على الانتماء العقائدي. إلا أن استمرار توافد وجهاء القبائل إلى منزل الأحمر، رغم القيود، يعكس – بحسب هؤلاء – تمسكاً قبلياً بمكانة الرمز ورفضاً لمحاولات كسر الأعراف.
في ظل هذا المشهد، تبدو العلاقة بين الجماعة والقبيلة أمام اختبار حساس، فسياسة فرض الأمر الواقع بالقوة قد تحقق مكاسب آنية، لكنها – كما يرى محللون – تفتح في المقابل جبهة صراع اجتماعي عميق، عنوانه إعادة تعريف السلطة ومصدر شرعيتها في مجتمع لا تزال الأعراف فيه تشكل ركيزة أساسية للتماسك والاستقرار.






