“المعاناة الصامتة” لأسر المعتقلين والمخفيين قسرًا

بقلم : نجيب الشغدري
كثيرًا ما يُساء فهم طبيعة المعاناة التي تعيشها أسر المعتقلين والمخفيين قسرًا، إذ يظن البعض أن حياتهم اليومية لا تتجاوز مشهد الحزن والبكاء، بينما الحقيقة أشد قسوة وعمقًا. فالمشاعر التي تثقل كاهلهم لا تقتصر على الألم، بل تمتد إلى إحساس خانق بالذنب يلازمهم في تفاصيل حياتهم اليومية، حيث تشعر الزوجة بوخز الضمير إن هي أعدت طعامًا دافئًا، متسائلة في صمت: ماذا يأكل زوجها هو الآن؟ وهل يبيت جائعًا؟ ويغدو يوم الوالدين كأنه دهراً طويلا، بينما يلوم الأخ نفسه إن استلقى على فراش مريح، متخيلًا شقيقه على أرض قاسية بلا فرش أو غطاء. وحتى ضحكة طفل المعتقل قد تتحول داخل وجدان الأسرة إلى جرح خفي، كأن الاستمرار في الحياة خيانة لغائب ينتظرونه.
ولا يقف الأمر عند هذا الشعور الداخلي، إذ يلازم الأسرة قلق دائم لا يهدأ. قلقل تعيش فيه الأسرة في حالة تأهب نفسي مستمر، حيث يتحول رنين الهاتف أو طرق الباب إلى مصدر هلع يومي. كل اتصال مجهول قد يحمل خبرًا مصيريا.. هل بشرى الإفراج؟ أم محاولة ابتزاز؟ أم نبأ الفاجعة؟ لذلك يبقى أفراد الأسرة مترقبين هواتفهم على مدار الساعة، متشبثين بالأمل، وخائفين في الوقت ذاته مما قد يأتيهم.
وفي زوايا هذا الانتظار المرعب، ومع ما تتعرض له بعض الأسر من استغلال عبر وسطاء وهميين يتاجرون بآلامهم، تتسلل أفكار موجعة وقاسية إلى أسرة المعتقل، حيث يخجلون من الاعتراف بها، كالفقر والمرض وغيرها، حيث يبلغ الإرهاق النفسي في الأسرة حدا يتمنّى فيه بعضهم سماع أي خبر يضع حدًا لهذا الإرهاق النفسي القاتل، حتى لو كان مؤلمًا، فقط لينتهي عذاب الانتظار. وما إن تلوح هذه الفكرة حتى يعاودهم الانكسار والشعور بالذنب، وكأنهم خانوا أمل العودة.
ومع مرور الأيام والأسابيع والسنوات، يتضاعف الوجع بفعل العزلة والخذلان. فالتعاطف المجتمعي الذي يكون حاضرًا في البداية يتلاشى تدريجيًا، وتبهت كلمات المواساة، من الاصدقاء والمجتمع المحيط، فتميل الأسر إلى الانسحاب بهدوا من المناسبات والمواقف الاجتماعية، ليس فقط هربًا من نظرات الشفقة، بل لأن غياب ذويهم يتجسد أمامهم في مكانه الخالي داخل البيت. وفي الوقت نفسه، تتراكم الضغوط على الزوجة لتواصل حياتها وتربي أبناءها، بينما يكبر الأطفال مثقلين بغضبٍ وقهر مكتوم تجاه المجتمع والأسرة والقبيلة التي عجزت عن حماية آبائهم وسندهم الأول والأخير في هذه الحياة.
وهكذا يمضي الزمن بالجميع إلى الأمام، لكنه يتوقف تمامًا عند لحظة الاعتقال بالنسبة لهذه الأسر، عند ذلك اليوم وتلك الساعة التي غاب فيها أحبتهم. فهم، مثل غائبهم، عالقون في كبسولة زمنية من الخوف والترقب، لا يملكون منها مفرا. وحسبنا الله ونعم الوكيل
وفي ظل استمرار هذه المعاناه الإنسانية المؤلمة، التي…
لقراءة المقال كاملاً على الرابط:






