فلسطين _ متابعة الوعل اليمني
في خطوةٍ أثارت جدلاً سياسيًا واسعًا، وتساؤلاتٍ عميقة حول مفهوم السلام وحدوده، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توقيعه على مذكرة الانضمام إلى ما يُعرف بـ«مجلس السلام»، الذي أسسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع العام الجاري. وهي خطوة وُصفت فلسطينيًا بأنها مكافأة مباشرة لسياسات القتل والإبادة بحق الشعب الفلسطيني، وليست مسارًا جادًا نحو إنهاء الحرب أو تحقيق العدالة.
الانضمام الإسرائيلي إلى المجلس قوبل بانتقادات لاذعة من قيادات فلسطينية، كان أبرزها ما صدر عن القيادي في حركة حماس محمود مرداوي، الذي اعتبر أن تعيين نتنياهو في هيئة تحمل اسم «السلام» يعمّق فقدان الثقة، ويكافئ سياسات الإبادة والقمع بدل مساءلتها، مؤكدًا أن الحقوق لا يمكن إعادة تعريفها بقرار سياسي، وأن العدالة لا تسقط مهما جرى الالتفاف عليها سياسيًا أو إعلاميًا.
ويأتي توقيع نتنياهو خلال زيارته إلى واشنطن ولقائه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قبيل اجتماع مغلق مع الرئيس ترامب استمر قرابة ثلاث ساعات، في توقيت سياسي بالغ الحساسية، سواء على صعيد الحرب المستمرة على غزة، أو في ظل التوتر الإقليمي المتصاعد على خلفية الملف الإيراني والمفاوضات النووية الجارية، وما يرافقها من تهديدات متبادلة تنذر بتوسيع رقعة الصراع.
ورغم إدراج «مجلس السلام» ضمن بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، المكوّن من عشرين نقطة، فإن ميثاق المجلس يخلو من أي إشارة مباشرة إلى قطاع غزة، أو إلى الواقع الإنساني الكارثي الذي يعيشه أكثر من مليونين وأربعمئة ألف فلسطيني، بينهم نحو مليون ونصف نازح، في ظل دمار واسع طال قرابة تسعين بالمئة من البنية التحتية المدنية. وهو ما يطرح تساؤلاتٍ جوهرية حول طبيعة المجلس وأهدافه الفعلية، ومن يخدم سياسيًا.
ويعرّف ميثاق المجلس نفسه باعتباره منظمة دولية دائمة لتعزيز السلام والحكم الرشيد في مناطق النزاع، غير أن الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس الأمريكي مدى الحياة، بما فيها حق النقض وتعيين الأعضاء، أثارت انتقادات حادة من مراقبين اعتبروا أن المجلس يشكل محاولة لتجاوز دور الأمم المتحدة، وإعادة تشكيل منظومة دولية بديلة تخضع لإرادة سياسية أحادية.
كما يتضمن الميثاق انتقادًا ضمنيًا للأمم المتحدة، بوصفها مؤسسة فشلت مرارًا في بناء السلام، والدعوة إلى التخلي عن المؤسسات القائمة لصالح هياكل أكثر مرونة وفاعلية وفق الرؤية الأمريكية. وهو خطاب يتقاطع مع السياسات الأمريكية الداعمة لإسرائيل، ويعزز المخاوف من استخدام المجلس كغطاء سياسي لإدارة الصراع لا حله.
وفي هذا السياق، يبرز السؤال الجوهري حول كيفية الجمع بين الحديث عن السلام، ومنح الشرعية السياسية لرئيس حكومة متهم دوليًا بإدارة حرب إبادة جماعية، أسفرت عن استشهاد أكثر من اثنين وسبعين ألف فلسطيني، وإصابة ما يزيد على مئة وواحد وسبعين ألفًا، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب التدمير المنهجي للمدن والمخيمات والبنى المدنية في قطاع غزة.
وتشير معطيات المشهد السياسي إلى أن نتنياهو يسعى، من خلال هذا الانضمام، إلى تعزيز تحالفه مع إدارة ترامب، والتأثير في مخرجات المرحلة المقبلة، سواء فيما يتعلق بغزة أو بالملف الإيراني، في وقت يواجه فيه ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، ورفضًا دوليًا متناميًا لسياسات الضم والاستيطان التي يواصلها في الضفة الغربية المحتلة.
وتتزامن هذه التحركات مع تعثر التقدم في تنفيذ خطة ترامب لغزة، واستمرار الخلافات حول القضايا الجوهرية، وعلى رأسها مستقبل المقاومة الفلسطينية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإدارة القطاع، وإعادة الإعمار، ما يجعل من «مجلس السلام» إطارًا فضفاضًا محاطًا بالغموض، أكثر منه آلية واضحة لإنهاء الحرب.
وبينما يُروَّج للمجلس بوصفه أداة لبناء السلام، يرى فلسطينيون ومراقبون أن انضمام نتنياهو إليه، في ظل استمرار الجرائم والانتهاكات، يحوّل مفهوم السلام إلى شعار سياسي فارغ، ويطرح تساؤلًا أخلاقيًا وسياسيًا مفتوحًا: هل يُبنى السلام بالشراكات مع صانعي الحروب، أم بمساءلتهم ومحاسبتهم وفق القانون الدولي وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها؟







