غزة تحت وطأة الإنفلونزا القاتلة: وباء صامت يفتك بالسكان في ظل حصار وانهيار صحي غير مسبوق

غزة- الوعل اليمني 

في الوقت الذي لا يزال فيه قطاع غزة يرزح تحت آثار حرب إبادة طويلة وحصار خانق، برزت خلال الأسابيع الأخيرة أزمة صحية خطيرة تتمثل في تفشّي فيروسات تنفسية حادة، تتقدمها الإنفلونزا الموسمية بسلالات متحوّرة، لتتحول من مرض عابر يمكن السيطرة عليه إلى تهديد مباشر للحياة، خصوصًا في بيئة أنهكها الجوع والبرد وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية.

المرض الذي يضرب آلاف العائلات في مختلف مناطق القطاع، لم يعد مجرد ارتفاع في درجات الحرارة أو سعال موسمي، بل بات يقترن بإرهاق شديد، وآلام مستمرة، وصعوبات حادة في التنفس، تطال الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين على وجه الخصوص. ويجد المصابون أنفسهم في مواجهة مرض قاسٍ دون أدوية كافية، أو تدفئة، أو قدرة حقيقية على الوصول إلى رعاية طبية مناسبة.

تحذيرات رسمية أطلقتها منظمة الصحة العالمية تؤكد عمق الكارثة الصحية المتفاقمة في غزة. إذ أعلن مديرها العام، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن أكثر من 18 ألفًا و500 مريض في القطاع ما زالوا بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل، بينهم نحو 4 آلاف طفل، في ظل عجز المستشفيات المحلية عن تقديم العلاج اللازم للحالات الخطيرة. وأشار غيبريسوس إلى أن المنظمة دعمت، خلال الأسبوع الماضي، إجلاء 18 مريضًا و36 مرافقًا إلى الأردن، ضمن جهود محدودة لا تتناسب مع حجم الاحتياج الفعلي.

ورغم استقبال أكثر من 30 دولة لنحو 10 آلاف و700 مريض من غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، يؤكد المسؤول الأممي أن آلاف المرضى ما زالوا ينتظرون فرصة للعلاج، داعيًا إلى فتح مزيد من الممرات الطبية، واستئناف الإجلاء إلى الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، في ظل استمرار القيود المفروضة على حركة المرضى.

ميدانيًا، تبدو الصورة أكثر قتامة. فقد حذّر مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، من انتشار واسع لفيروسات تنفسية يُرجّح أنها سلالات متحوّرة من الإنفلونزا أو فيروس كورونا، مؤكدًا أنها تفتك بالسكان نتيجة انهيار جهاز المناعة العام، الناجم عن المجاعة وسوء التغذية المستمرين منذ أشهر طويلة. ووصف أبو سلمية الوضع الصحي في القطاع بأنه “مأساوي وقاتم”، في ظل تداخل آثار حرب الإبادة مع تفشّي الأوبئة داخل بيئة مكتظة بالنازحين.

وأوضح أن المستشفيات العاملة تجاوزت طاقتها الاستيعابية، حيث وصلت نسبة إشغال الأسرة إلى نحو 150 بالمئة، في وقت تعاني فيه المرافق الصحية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وأجهزة الفحص والتشخيص. وأضاف أن القيود الإسرائيلية على إدخال الإمدادات الطبية فاقمت العجز، ومنعت الطواقم من التعامل الفعّال مع الحالات الطارئة والأمراض المعدية.

وتتجلى خطورة الوضع في الفئات الأكثر هشاشة، إذ أعلن أبو سلمية عن وفاة أربعة أطفال منذ بداية فصل الشتاء نتيجة البرد القارس، في ظل انعدام وسائل التدفئة داخل خيام النازحين، وتعذّر توفير اللقاحات الموسمية التي تُعد خط الدفاع الأول ضد مضاعفات الإنفلونزا.

شهادات الأهالي عبر منصات التواصل الاجتماعي، تعكس حجم المعاناة اليومية. يصف مصابون الفيروس المنتشر بأنه من أصعب الأمراض التي مروا بها في حياتهم، مشيرين إلى أن أعراضه أشد وأطول من الإنفلونزا المعتادة، وقد تمتد لأكثر من عشرة أيام، مع تعب شديد وآلام لا تُحتمل وصعوبة في التنفس، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن. ويجمع كثيرون على أن المرض، في ظروف غزة الحالية، أصبح أقرب إلى “إنفلونزا قاتلة”، لا بسبب قوته وحده، بل بسبب هشاشة الأجساد ونقص الغذاء والدواء.

خبراء صحيون يؤكدون أن الواقع الوبائي أخطر بكثير مما تعكسه الأرقام الرسمية. إذ أوضح الدكتور عبد الرؤوف المناعمة، أستاذ علم الميكروبات في الجامعة الإسلامية بغزة، لوكالات محلية، أن ضعف أنظمة الرصد والتشخيص، وامتناع كثير من المرضى عن التوجه للمستشفيات بسبب شح الإمكانيات، يحجب الحجم الحقيقي لتفشّي الأمراض. وأشار إلى أن الفيروسات المنتشرة حاليًا تنتمي إلى سلالات متحوّرة ذات قدرة إمراضية أعلى، تمتد فترة الإصابة بها إلى ما بين 12 و15 يومًا، مقارنة بنحو أسبوع في الحالات الطبيعية.

وحذّر المناعمة من أن نسب الوفيات، التي قد تصل في بعض أنواع الإنفلونزا إلى 2–3 بالمئة في الظروف العادية، مرشحة للارتفاع بشكل خطير في غزة، حيث يعيش السكان في خيام غير مهيأة، ويعانون من برد قارس وسوء تغذية حاد، ما يسرّع انتشار العدوى ويضاعف مضاعفاتها.

بدوره، نبّه المختص في التغذية ومدير ملف الأمراض السارية وغير السارية بوزارة الصحة في غزة، عاهد سمور، إلى أن ذروة الإنفلونزا خلال شهري يناير وفبراير قد تحمل سيناريوهات أكثر خطورة، مع احتمال تسجيل وفيات ودخول حالات إلى العناية المركزة. وأكد أن نقص المناعة الناتج عن المجاعة يجعل السكان أكثر عرضة للمضاعفات القاتلة، في ظل غياب التطعيمات السنوية.

وأشار سمور إلى وجود 12 ألف جرعة لقاح إنفلونزا جاهزة في غزة، إلا أن سلطات الاحتلال تمنع إدخالها، ما يفاقم المخاطر الصحية، لا سيما على الأطفال وكبار السن. وأضاف أن مخازن وزارة الصحة تعاني من فراغ شبه كامل في العديد من الأصناف الدوائية الأساسية، وأن المسكنات ومضادات الفيروسات باتت شبه منعدمة.

وتتزامن هذه الأزمة الصحية مع استمرار القيود المفروضة على إدخال المساعدات الطبية والغذائية، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025، وهو ما أبقى الأزمة الإنسانية في مسارها التصاعدي. وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن نسبة العجز في الأدوية بلغت 52 بالمئة، فيما وصلت في المستهلكات الطبية إلى نحو 71 بالمئة، في ظل تقليص إدخال الشاحنات الطبية إلى أقل من 30 بالمئة من الاحتياج الشهري.

في قطاع يقطنه نحو 2.4 مليون إنسان، تحوّل المرض إلى وجه آخر من وجوه المعاناة اليومية، حيث يواجه السكان البرد والجوع والفيروسات في آن واحد. ومع استمرار الحصار وانهيار النظام الصحي، تبدو الإنفلونزا في غزة أكثر من مجرد وباء موسمي؛ إنها إنذار صحي خطير يهدد حياة الآلاف، ويكشف مجددًا حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع، في انتظار تدخل عاجل ينقذ ما تبقى من أرواح منهكة.

Exit mobile version