غزة _ متابعة الوعل اليمني
رغم توقف العمليات العسكرية في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، فإن تداعيات الحرب والحصار لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على حياة السكان، خصوصاً في ما يتعلق بالأمن الغذائي. وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 1.6 مليون فلسطيني، أي ما يعادل 77% من سكان القطاع، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات في دائرة الخطر الصحي المباشر.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد التحذيرات من أن آثار سوء التغذية لن تقتصر على المرحلة الحالية فحسب، بل قد تمتد لعقود، مهددة أجيالاً كاملة بمشكلات صحية مزمنة تبدأ منذ مراحل الحياة الأولى، بل وحتى قبل الولادة.
وبحسب بيانات موثقة صادرة عن منظمات دولية، فقد تم تسجيل 317 حالة وفاة مرتبطة بسوء التغذية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 119 طفلاً. كما تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” إلى أن أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل أو مرضع يعانون حالياً من سوء التغذية الحاد، وسط توقعات باستمرار الأزمة الغذائية حتى أبريل/نيسان المقبل على الأقل.
وتكشف الإحصاءات الأممية عن صورة مقلقة للوضع الصحي في القطاع، إذ يعاني طفل واحد من كل خمسة أطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد. وفي الوقت ذاته، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 40% من النساء الحوامل والمرضعات يعانين نقصاً حاداً في العناصر الغذائية الأساسية، ما يزيد المخاوف بشأن صحة الأمهات والمواليد على حد سواء.
من جهة أخرى، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن آثار سوء التغذية لا تقتصر على الضعف الجسدي أو نقص الوزن، بل ترتبط أيضاً بارتفاع خطر الإصابة بالأمراض غير المعدية مستقبلاً، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية وبعض أنواع السرطان ومرض السكري. وتعد الأنظمة الغذائية غير الصحية الناتجة عن نقص الغذاء أحد أبرز عوامل الخطر لهذه الأمراض.
ورغم توقف القتال، لا تزال الأغذية الغنية بالبروتينات والعناصر الغذائية الأساسية نادرة وباهظة الثمن في أسواق غزة. وتشير التقارير إلى أن نحو 79% من الأسر غير قادرة على تأمين الغذاء الكافي أو المياه النظيفة، فيما يعاني ثلثا الأطفال من فقر غذائي شديد، حيث يقتصر استهلاكهم غالباً على مجموعة غذائية واحدة أو اثنتين فقط يومياً، وهو ما يقل كثيراً عن الحد الأدنى المطلوب للنمو الصحي.

وفي هذا السياق، أظهرت دراسات علمية أن الأطفال الذين ينجون من سوء التغذية في سنواتهم الأولى قد يواجهون صعوبات معرفية وتعليمية طويلة الأمد. فقد وجدت دراسة نشرتها المكتبة الوطنية الأمريكية للطب أن هؤلاء الأطفال غالباً ما يحققون مستويات تعليمية أقل ويعانون ضعفاً في الأداء الأكاديمي والثقة بالنفس مقارنة بأقرانهم الأصحاء.
كما كشفت دراسة أخرى نشرتها مجلة “ذا لانسيت” أن المراهقين الذين عانوا من سوء التغذية في طفولتهم أظهروا انخفاضاً مستمراً في معدلات الطول بالنسبة للعمر، إلى جانب ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية والسلوكية، وهو ما يعكس الأثر العميق لنقص الغذاء على النمو الجسدي والنفسي.
ولا تتوقف مخاطر سوء التغذية عند الأطفال بعد الولادة، بل تبدأ فعلياً من داخل الرحم. إذ يؤدي سوء تغذية الأمهات الحوامل إلى ولادة أطفال بوزن منخفض للغاية، وهو ما يضاعف خطر الوفاة المبكرة. وتشير تقديرات اليونيسيف إلى أن المواليد ذوي الوزن المنخفض يواجهون خطراً للوفاة يزيد بنحو 20 ضعفاً مقارنة بالمواليد ذوي الوزن الطبيعي.
وفي السياق ذاته، تربط دراسات أكاديمية بين نقص التغذية أثناء الحمل وزيادة احتمالات الإصابة لاحقاً بأمراض مزمنة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية ومرض انسداد الشعب الهوائية المزمن. كما قد تؤدي التغيرات الخلقية المرتبطة بسوء التغذية إلى زيادة خطر السمنة في مرحلة الطفولة، إضافة إلى هشاشة العظام وفقدان الكتلة العضلية.
أما بعد الولادة، فتتفاقم التحديات مع تراجع معدلات الرضاعة الطبيعية. إذ أفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن سوء التغذية والضغوط النفسية يعوقان قدرة ثلاثة أرباع الأمهات الجدد على إرضاع أطفالهن طبيعياً، في وقت يعاني فيه القطاع نقصاً حاداً في حليب الأطفال البديل.
ويحرم هذا الواقع الرضع من الأجسام المضادة الحيوية الموجودة في حليب الأم، والتي تشكل خط الدفاع الأول ضد الأمراض المعدية والوفاة في حالات الطوارئ. كما أن تراجع الرضاعة الطبيعية قد يؤدي إلى زيادة أمراض الطفولة القاتلة وارتفاع مخاطر إصابة الأمهات ببعض أنواع السرطان والأمراض المعدية.
وفي ظل هذه المؤشرات المقلقة، يؤكد خبراء الصحة أن معالجة الأزمة الغذائية في غزة لا يمكن أن تقتصر على توفير السعرات الحرارية فحسب، بل تتطلب تأمين غذاء متوازن وغني بالفيتامينات والمعادن الأساسية، خصوصاً للأطفال والحوامل والمرضعات.
ختاماً، تبدو أزمة سوء التغذية في غزة حرباً صامتة تتواصل آثارها حتى بعد توقف القتال. فمع استمرار الفجوة الغذائية، يواجه آلاف الأطفال خطر التقزم وضعف القدرات الإدراكية والأمراض المزمنة، ما يهدد مستقبل جيل كامل بدأ حياته في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات البقاء.

عاصفة “برتقالية” تضرب خيام النازحين في غزة.. وخروقات الاحتلال تتواصل ميدانياً
“مصائد الجوع”.. جندي بريطاني يفضح “إعدامات التسلية” في مراكز الإغاثة الأمريكية بغزة
مكافأة أمريكية بـ 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن مجتبى خامنئي ومسؤولين إيرانيين آخرين
استهداف السفارة الأمريكية في بغداد بصواريخ ومسيرات وتفعيل منظومات الدفاع الجوي