فراغ المؤسسات: الصمت الذي يهدد الدولة

بقلم :د. علي العسلي
في لحظات التحوّل الكبرى، لا يكون الخطر فقط في القرارات الخاطئة، بل في الفراغات التي تُترك بلا قرار.
فالفراغ حين يظهر في بنية السلطة أو المؤسسات لا يبقى ساكنًا. سرعان ما تمتلئ أطرافه بالارتباك، ويعتاده الناس تدريجيًا، ثم يتحوّل إلى وضع طبيعي يُدار على أساسه، وكأن الدولة خُلقت لتتعايش مع النقص لا لتستكمل شروطها.
هنا تبدأ الانكسارات الصامتة. قد لا تُسمع لها ضوضاء، لكنها تغيّر شكل الدولة من الداخل، وتعيد تشكيل الوعي العام على قاعدة مفادها أن الغياب يمكن احتماله، وأن التعطّل يمكن التكيّف معه.
ما يثير القلق اليوم ليس سؤال الأشخاص بقدر ما هو سؤال المعايير. ماذا يعني ألّا تُستكمل البنية القانونية والسياسية لسلطات الدولة المختلفة، من نواب وزراء ومحافظين، واستبدال الوكلاء الذين لم يكونوا يومًا مهنيين؟
لقد استبشر كثير من الناس عندما أكمل الرئيس العليمي شغور عضوين في مجلس القيادة الرئاسي، بعد اتخاذ قراراته الدستورية الحاسمة بحق المتمرّد الزبيدي والمتغيب عمدًا البحسني المؤيد له.
بعد ذلك، شرع في إعفاء الوزراء المتمرّدين، ثم كلف الدكتور الزنداني بتشكيل الحكومة، والتي خرجت إلى العلن يوم أمس بعد موافقة مجلس القيادة الرئاسي على تشكيلتها النهائية.
إذن، فقد اتُّخذت قرارات لحفظ مجلس القيادة الرئاسي بالصورة التي تحافظ على تماسكه ومركزه القانوني ودوره الجامع.
ثم يبرز السؤال: هل كانت ستمضي قرارات كبرى تمسّ تشكيل الحكومة وتوزيع المسؤوليات لو ظلّ هذا الإطار المؤسسي ناقصًا أو مرتبكًا؟
الإجابة بكل تأكيد: لا. الاعتياد على النقص يعني الاستمرار فيه، بل إن الأخطر أنه مع الوقت قد يتحوّل هذا الوضع إلى أمر مألوف. يذوب الاستثناء داخل روتين السياسة اليومية، حتى لا يعود أحد يسأل: كيف بدأ الفراغ أصلًا، ولماذا سُمح له أن يستمر؟
المفارقة الصادمة تظهر حين يُلاحظ أن استكمال الشغور في بنية مجلس القيادة الرئاسي تمّ فعليًا قبل صدور القرارات المرتبطة بالحكومة، بينما يُسمح بوجود الفراغ في بنية الحكومة نفسها.
جرى تعيين البدلاء في المواقع الشاغرة داخل المجلس، ثم تلا ذلك تكليف رئيس الوزراء الحالي وتشكيل الحكومة.
وبمعنى آخر، منطق استكمال الفراغ طُبِّق في قمة الهرم السياسي، لكنه لم يُستكمل بالقدر نفسه داخل البنية التنفيذية التي تتحمل عبء التعافي اليومي للدولة والمجتمع.
“فما تزال حقيبة سيادية بحجم وزارة الخارجية غير مفصولة مؤسسيًا عن رئاسة الوزراء، رغم أن هذا الملف مرتبط مباشرة بتمثيل اليمن خارجياً، ورعاية مصالح المواطنين في المهجر، وبحماية علاقات الدولة مع محيطها الداعم، وبالحفاظ على صورة الشرعية نفسها أمام العالم. ترك كل هذه المسؤوليات في يد واحدة لا يضعف الأداء فقط، بل يحوّل الدولة تدريجيًا إلى تجربة تكيّف مع النقص المؤسسي.
هنا تكمن الإشكالية الكبرى:
عندما تتجمع هذه الأعباء في يد واحدة، تصبح الفراغات في المؤسسات أكثر من مجرد نقص إداري. إنها سياسة تُدار بصمت، تعيد توزيع القوة دون مساءلة، وتحوّل الدولة إلى تجربة التكيّف مع النقص بدل الانضباط المؤسسي.
هذه اللحظة تكشف حقيقة مهمة: الفراغ ليس ثغرة فحسب، بل مؤشر خطير. إذا تُركت الفراغات بلا معالجة، ستصبح الدولة عاجزة عن الوفاء بواجباتها الأساسية، وسيصبح التعطّل ممارسة طبيعية، يتعايش معها الجميع كأمر مألوف.
في الدول التي تواجه الحروب والانقسامات والتشظي الاقتصادي والاجتماعي، لا يُقاس الاستقرار بوقف القتال أو رفع الشعارات فقط. الاستقرار الحقيقي يظهر عندما تُملأ الفراغات المؤسسية، وتُحوَّل الإدارات إلى أدوات فعالة، ويُفرض الانضباط قبل أن تتحوّل الفراغات إلى سياسة دولة. كل منصب شاغر يُترك بلا إملاء هو رسالة صارخة مفادها: التعطّل ممكن، وأن إدارة الضرورة يمكن أن تحل محل القواعد.
مع تراكم هذه الرسائل، تتآكل الثقة العامة بصمت، ويشعر المواطن أن أزمته المعيشية بلا أفق، وأن مؤسسات الحكم بعيدة عن إيقاع معاناته اليومية.
ليس من المنطقي أن تُصوَّر اليمن، بما تختزنه من خبرات سياسية وإدارية وأكاديمية داخل البلاد وخارجها، كأنها عاجزة عن رفد مؤسساتها بالكفاءات القادرة على تحمّل المسؤولية. الأزمات الكبرى كانت دائمًا لحظة استدعاء للطاقة لا لحظة انكماش عنها، وكانت لحظة توزيع أوسع للمسؤولية لا تركيز أضيق لها.
الدولة التي تسعى للنهوض تحتاج إلى بنية قرار متوازنة تضاعف الفاعلية وتمنع الإرهاق المؤسسي. التعافي لا يصنعه جهد فردي مهما بلغ، بل منظومة تعمل بكامل طاقتها وفي اتجاه واحد.
القضية ليست مجرد تعديل إداري عابر، بل اختيار طريق: إما الاستمرار بمنطق التوازنات المؤقتة والمعالجات الطارئة، أو الانتقال إلى منطق يرى استكمال المؤسسات شرطًا أساسيًا لإنقاذ الدولة اقتصادياً واجتماعياً.
تجارب الدول التي عاشت الحروب أو الانقسامات أثبتت أن اللحظة الفاصلة لم تكن عند توقف القتال، بل عند ظهور إرادة سياسية حقيقية أعادت ضبط المعايير، وقدّمت الكفاءة على المجاملة، والوضوح على التأجيل، والمسؤولية على إدارة الوقت الضائع.
الحكومة المهنية الموجَّهة ببرنامج إنقاذ وطني أصبحت ضرورة تاريخية لا خيارًا تجميليًا. الأداء التنفيذي الدقيق هو الفارق الحقيقي بين دولة تتماسك وأخرى تنزلق أكثر في الفوضى. الحكومات التي نجحت في المراحل الانتقالية لم تفعل ذلك بالشعارات، بل بقرارات واضحة أعادت الثقة تدريجيًا بين المواطن ومؤسسات الحكم، وجعلت الناس يرون أثر الدولة في حياتهم اليومية لا في بياناتها فقط.
ملء الفراغات الدستورية والتنفيذية ليس شأنًا إجرائيًا محدودًا، بل قرار سيادي يعيد تعريف اتجاه المرحلة كلها. فالفراغ إذا طال لم يبقَ حياديًا، بل يتحوّل إلى بيئة تتكاثر فيها الأزمات، وتتمدد فيها مراكز القوة خارج إطار الدولة. عندها تصبح كلفة الاستدراك أعلى بكثير من كلفة القرار في لحظته المناسبة.
التاريخ لا يتذكّر كثيرًا التفاصيل اليومية، لكنه يتذكّر اللحظات التي أعيد فيها ضبط المسار قبل أن يضيع. اليمن اليوم بحاجة إلى قرار واضح يستكمل بناء مؤسسات الدولة، ويعيد توزيع المسؤولية بما يخدم إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، ومغادرة توطين الفساد في أجهزة الدولة، وصولًا إلى التعافي الشامل.
يبدأ القرار بملء كل فراغ دستوري وتنفيذي فورًا، مع استكمال البنية الحكومية ونوابها، وفصل الحقائب السيادية، وتفعيل كل السلطات والمؤسسات لضمان كفاءة الأداء ووضوح المساءلة. إنقاذ الدولة لا يحتمل الرمادية ولا إدارة الوقت المفتوح.
املؤوا الفراغ… قبل أن يتحوّل إلى عادة،
وقبل أن يتحوّل الاعتياد ذاته إلى أخطر ما يهدّد فكرة الدولة.





