شهد العالم اليوم، الخميس، لحظة فارقة في تاريخ الأمن الدولي بانتهاء سريان معاهدة “نيو ستارت” (New START) رسمياً، وهي المعاهدة الأخيرة التي كانت تفرض قيوداً قانونية على الترسانات النووية الاستراتيجية لكل من الولايات المتحدة وروسيا.
ومع انقضاء المهلة المحددة للمعاهدة عند منتصف الليل، دخلت القوتان النوويتان اللتان تسيطران على نحو 90% من الأسلحة النووية في العالم مرحلة من “العمى الاستراتيجي” وفقدان آليات الرقابة المتبادلة، مما ينهي حقبة استمرت لأكثر من نصف قرن من الاتفاقيات الثنائية التي بدأت في السبعينيات للحد من خطر الفناء النووي المتبادل.
وتأتي هذه النهاية بعد فشل الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق بديل أو تمديد إضافي، حيث كانت المعاهدة قد تم تمديدها لمرة واحدة وأخيرة في عام 2021 لمدة خمس سنوات، ولا تسمح بنودها بتمديدات أخرى دون صياغة إطار قانوني جديد.
ورغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد اقترح في سبتمبر الماضي تمديد الالتزام بالقيود العددية للمعاهدة لمدة عام واحد بشكل طوعي، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تقدم رداً رسمياً حاسماً حتى لحظة انتهاء الصلاحية، في ظل مطالب واشنطن بضرورة إدراج الصين في أي اتفاقيات مستقبلية، وهو ما ترفضه بكين بشدة مؤكدة أن ترسانتها لا تقارن بحجم ترسانتي واشنطن وموسكو.
ومع سقوط المعاهدة، زالت القيود التي كانت تحدد سقف الرؤوس النووية المنشورة بـ 1550 رأساً لكل جانب، و700 من الصواريخ والقاذفات الثقيلة، كما توقفت تماماً عمليات التفتيش الميداني وتبادل البيانات اللحظية التي كانت توفر قدراً من الشفافية واليقين الاستراتيجي.
هذا الوضع دفع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى وصف اللحظة بـ “اللحظة الخطيرة” على السلام العالمي، محذراً من أن العالم بات الآن دون “كوابح قانونية”، وهو ما قد يشجع الدول النووية الأخرى على تسريع برامجها العسكرية في ظل غياب قدوة القوى العظمى في ضبط النفس.
ميدانياً، أعلنت موسكو أنها لن تعتبر نفسها ملزمة بالقيود التقنية للمعاهدة بعد اليوم، لكنها أبدت استعداداً مشروطاً لعدم البدء بسباق تسلح كمي إذا امتنعت واشنطن عن اتخاذ خطوات تصعيدية.
وفي المقابل، يرى مراقبون دوليون أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في زيادة عدد الرؤوس النووية، بل في تزايد احتمالات “سوء التقدير”؛ فبدون وجود مفتشين وقنوات اتصال رسمية كما نصت المعاهدة، قد يتم تفسير أي تحرك عسكري اعتيادي أو تجربة صاروخية على أنها بداية لهجوم نووي، مما يرفع خطر اندلاع نزاع غير مقصود إلى مستويات غير مسبوقة منذ أزمة الصواريخ الكوبية.







