كيف تحول المعلم إلى شاهد صامت على انتهاك التعليم

خاص
في إحدى مدارس صنعاء، أنهى المعلم حصته مبكرا على غير العادة. لم يكن السبب غياب الطلاب او خلل في الجدول، بل لأن المشرف الزائر امره بالتوقف , أدرك أن دوره تغير دون أن يبلع رسميا، ودون أن يسأل.
هذا المشهد، وفق شهادات معلمين وناشطين تربويين، لم يعد استثناء في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، بل أصبح جزءا من واقع تعليمي جديد، تسحب فيه وظيفة التعليم تدريجيا من داخل الفصل، ويدفع المعلّم إلى موقع رمادي، لا هو مربٍ مستقل، ولا هو صاحب قرار.
لم يأتِ التغيير عبر قرارات مكتوبة أو لوائح معلنة. بل بدأ، كما يصفه معلمون، عبر “التطبيع البطيء”. استدعاءات متكررة لاجتماعات توصف بأنها “تربوية”، لكنها تركز على الخطاب التعبوي، وإعادة تعريف دور المدرسة باعتبارها “مسؤولية مجتمعية في زمن الحرب، تقارير محلية صادرة عن نقابات تعليمية مستقلة أشارت إلى أن هذه الاجتماعات ترافقت مع تحذيرات مبطنة: المدرسة ليست مكانا محايدا، والمعلّم ليس خارج المعركة. الرسالة لم تكن مباشرة، لكنها كانت كافية لإيصال المعنى.
من التعليم إلى الإشراف
بعد تلك اللقاءات، بدأت المهام غير التعليمية بالتسلل إلى اليوم المدرسي. معلمون أفادوا لمنظمات حقوقية يمنية بأنهم طلب منهم الإشراف على أنشطة لا تدخل ضمن المنهج، ومتابعة التزام الطلاب بحضور فعاليات محددة، وإبلاغ الإدارة عن أي “تقصير، في بعض المدارس، جرى تكليف المعلمين بإعداد قوائم حضور لأنشطة خارجية، أو تسليم استمارات للطلاب دون شرح محتواها الحقيقي. هذه الممارسات وثقتها تقارير “مواطنة لحقوق الإنسان” باعتبارها شكلًا من أشكال الإكراه غير المباشر داخل المؤسسات التعليمية.
المعلّم هنا لا يجبر بالسلاح، بل بالوظيفة، وبالتهديد الضمني بفقدان مصدر رزقه الوحيد.
تحت ضغط المعيشة
لا يمكن فهم هذا الواقع دون التوقف عند الوضع الاقتصادي للمعلمين. انقطاع الرواتب منذ سنوات، وغياب أي حماية اجتماعية، جعل آلاف المعلمين في وضع هش. تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصفت المعلمين في اليمن بأنهم من أكثر الفئات تضررامن الحرب اقتصاديا، ما جعلهم عرضة للضغط والاستغلال.
معلم في محافظة إب قال” لموقع الوعل اليمني” في شهادة نقلها ناشطون، إنه اضطر للموافقة على الإشراف على أنشطة لا يؤمن بها، لأنه ببساطة لا يملك خيار الرفض. “إذا خسرت المدرسة، أخسر كل شيء”، هكذا لخص معادلته القاسية.
التحول لم يقتصر على المعلم. داخل الفصول، تغيرت لغة الطلاب. بعضهم صار يردد شعارات لا يفهم معناها، وآخرون التزموا الصمت الكامل. معلمة في صنعاء قالت إن طلابها باتوا يتجنبون النقاش، خشية أن تفسر آراؤهم بشكل خاطئ، تقارير اليونسكو حذرت من أن تسيس التعليم في مناطق النزاع يخلق بيئة طاردة للتفكير النقدي، ويحول المدرسة إلى مساحة خوف لا تعلم. هذا ما انعكس بوضوح على سلوك الأطفال، خاصة في المراحل الإعدادية والثانوية.
حين تغيب الأسرة
الأسر غالبا ما تكون آخر من يعلم. لا يبلغ الآباء بطبيعة الأنشطة التي يلزم بها أبناؤهم، ولا يمنحون حق الاعتراض. منظمات حقوقية محلية وثقت شكاوى لأسر اكتشفت لاحقًا أن أبناءها شاركوا في أنشطة ذات طابع تعبوي داخل المدرسة، دون موافقتها، في بعض الحالات، حاول أولياء أمور الاعتراض، لكنهم واجهوا ضغوطا مباشرة، شملت التهديد بحرمان أبنائهم من الدراسة. هكذا، تتحول الأسرة من شريك في التربية إلى متفرج عاجز.
الأثر الأخطر يظهر عند الأطفال. تقارير الأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاع المسلح أكدت أن استغلال المدارس في التعبئة يزيد من احتمالات تجنيد الأطفال لاحقا، الطفل الذي يعتاد على هذا الخطاب داخل المدرسة، يصبح أكثر قابلية للانخراط في أنشطة أخطر خارجها.
وثقت منظمات دولية، بينها اليونيسف، حالات لأطفال انقطعوا عن الدراسة بعد مشاركتهم في أنشطة مدرسية “غير تعليمية”، دون أي متابعة أو حماية. المدرسة هنا لا تحمي، بل تمهّد الطريق.
الإعلام الغائب
في ظل هذا الواقع، لا يجد المعلم ولا الأسرة منبرا للتعبير. الإعلام في مناطق سيطرة الحوثيين يخضع لرقابة مشددة، كما وثقت “مراسلون بلا حدود”، ما يمنع تسليط الضوء على هذه الانتهاكات ,حتى المعلمون الذين حاولوا الحديث خارج البلاد، فعلوا ذلك بأسماء مستعارة، خوفا من الانتقام. الصمت هنا ليس اختيارا، بل نتيجة طبيعية للقمع.
وفق القانون الدولي، يعد استخدام المؤسسات التعليمية لأغراض عسكرية أو تعبئة أيديولوجية انتهاكا صريحا لحق التعليم، ولحماية المدنيين في النزاعات. اتفاقية حقوق الطفل تضمن حق الطفل في تعليم آمن ومحايد، وهو ما يتقوض في هذه البيئة ,تقارير فريق الخبراء الأممي بشأن اليمن شددت على أن عسكرة التعليم تندرج ضمن الانتهاكات الممنهجة التي تطيل أمد الصراع، وتدمر فرص السلام المستقبلي. ما يحدث اليوم داخل المدارس لن يمر دون أثر. جيل يتعلم تحت الخوف، ومعلم يفقد دوره، وايره تقصي عن القرار، كل ذلك يشكل وصفة طويلة الأمد لانهيار اجتماعي. خبراء تربويون حذروا من أن إعادة بناء التعليم بعد الحرب ستكون شبه مستحيلة إذا استمر هذا المسار، المعلمين ضحايا صامتون في معركة لم يختاروها. التعليم في اليمن لا يموت فجأة، بل يستنزف يوما بعد يوم، داخل فصول لا يسمع فيها صوت السؤال، وتحت سبورات لم تعد كافية لشرح الدرس ,وحين يفقد التعليم حياده، لا تخسر المدرسة فقط، بل يخسر المجتمع آخر مساحة آمنة لأطفاله






