كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، استنادًا إلى بيانات رسمية صادرة عن جيش الاحتلال الإسرائيلي، عن أرقام غير مسبوقة تتعلق بالجنود الذين يحملون جنسيات أجنبية إلى جانب الجنسية الإسرائيلية، في ظل تصاعد الضغوط الدولية والدعوات الحقوقية لمحاسبة المتورطين في جرائم حرب خلال العدوان المستمر على قطاع غزة.
ووفق المعطيات، فإن 50 ألفًا و632 جنديًا في صفوف جيش الاحتلال يحملون جنسية أخرى على الأقل، في مؤشر يعكس اتساع ظاهرة الاعتماد على مزدوجي ومتعددي الجنسية، في وقت يعاني فيه الجيش من استنزاف بشري متواصل منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
الأرقام الأساسية
تُظهر البيانات أن حاملي الجنسية الأمريكية يشكلون النسبة الأكبر، بواقع 12 ألفًا و135 جنديًا، بفارق واضح عن باقي الجنسيات، تليها الجنسية الفرنسية بنحو 6 آلاف و127 جنديًا، ثم الروسية بـ5 آلاف و67 جنديًا.
كما تضم القائمة أكثر من 3 آلاف جندي يحملون الجنسية الألمانية، وعددًا مماثلًا من حاملي الجنسية الأوكرانية، إضافة إلى أكثر من ألف جندي من كل من الجنسيات البريطانية والرومانية والبولندية والإثيوبية والكندية، فضلًا عن آلاف المجندين من دول أخرى في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
ولم يقتصر التنوع على الدول الغربية، إذ شملت البيانات جنسيات عربية أيضًا، من بينها اليمن وتونس ولبنان وسوريا والجزائر، وإن بأعداد محدودة.
تعدد الجنسيات
وتشير الأرقام إلى أن 4 آلاف و440 جنديًا يحملون جنسيتين أجنبيتين إلى جانب الإسرائيلية، فيما يحمل 162 جنديًا ثلاث جنسيات أجنبية أو أكثر، ما يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية متزايدة بشأن وضعهم القانوني ومسؤولية الدول التي يحملون جنسياتها.
وتُعد هذه المرة الأولى التي يكشف فيها جيش الاحتلال، بشكل مفصل، عن توزيع الجنسيات الأجنبية بين أفراده، وذلك ردًا على طلب حرية معلومات تقدمت به جمعية “هتسلحا” غير الحكومية، المعنية بالشفافية وحرية المعلومات، في مارس/آذار 2025.
سياق الحرب
ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، استعان جيش الاحتلال بعشرات آلاف الجنود من مزدوجي ومتعددي الجنسية، وجرى إلحاق معظمهم بوحدات قتالية برية، أبرزها ألوية المشاة والمدرعات، حيث شاركوا في الاقتحامات البرية وتدمير الأحياء السكنية.
وكشفت تقارير إعلامية غربية، من بينها موقع Declassified UK، أن 1,686 جنديًا يحملون الجنسية البريطانية والإسرائيلية، إضافة إلى 383 جنديًا يحملون جنسية بريطانية وجنسية ثالثة، شاركوا في العدوان على غزة، وبعضهم خدم في وحدات وُصفت بأنها “الأكثر عنفًا” داخل القطاع.

قراءة عسكرية
وفي قراءة للمعطيات، قال الخبير العسكري نضال أبو زيد إن جيش الاحتلال يعتمد بشكل أساسي على قوات الاحتياط، التي يُقدَّر عددها بنحو 500 ألف جندي، مقابل نحو 169 ألف جندي نظامي فقط، ما يعكس محدودية قدراته البشرية.
وأوضح أبو زيد أن هذا الخلل دفع الجيش إلى توظيف جنود مزدوجي الجنسية، واللجوء إلى تكتيكات بديلة، مثل العمليات الانتقائية وحروب العصابات، المدعومة بالطائرات المسيّرة والقوات الخاصة، بدلًا من العمليات البرية التقليدية واسعة النطاق.
وأشار إلى أن الكشف عن هذه البيانات في هذا التوقيت يعكس اعترافًا غير مباشر بحجم الاستنزاف الذي يواجهه الجيش، وقد يُستخدم أيضًا كورقة ضغط داخلية لإضعاف حكومة الائتلاف الإسرائيلية، في ظل الحديث عن انتخابات مرتقبة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
مساءلة قانونية
بالتوازي مع ذلك، دعت منظمات دولية، بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إلى فتح تحقيقات مستقلة، مطالبة حكومات غربية بتحمل مسؤولياتها القانونية تجاه مواطنيها المتورطين في انتهاكات محتملة، استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.
وشهدت عدة دول تحركات قانونية فعلية، إذ فتحت الشرطة الفدرالية في كندا تحقيقات بشأن شبهات جرائم حرب قد تشمل جنود احتياط مزدوجي الجنسية، فيما تقدمت منظمات حقوقية في بريطانيا وبلجيكا بشكاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية وجهات وطنية مختصة، تستهدف مئات الجنود من حاملي الجنسيات الأوروبية.
حصيلة كارثية
وتأتي هذه التطورات في ظل التداعيات الإنسانية الكارثية لحرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، التي امتدت لما يقارب عامين، وأسفرت، وفق بيانات محلية، عن ارتقاء أكثر من 72 ألف شهيد، وإصابة ما يزيد على 171 ألف جريح، إلى جانب تدمير نحو 90 بالمئة من البنية التحتية في القطاع، بدعم أمريكي وأوروبي متواصل.
وبينما تتكشف هذه الأرقام تباعًا، يظل السؤال مفتوحًا: هل يقاتل هؤلاء بصفتهم مواطنين في جيش دولة أخرى، أم كمرتزقة عابري جنسيات، قد تطالهم ملاحقات قانونية عابرة للحدود في قادم الأيام؟
المصدر: وكالات.

نزيف صامت يهدد الاقتصاد… سياسات الأمر الواقع تدفع رؤوس الأموال والكفاءات إلى الهجرة
من “تسوية الأراضي” إلى الضمّ الصامت: إسرائيل تفتح بوابة تسجيل الضفة باسم الدولة
غزة تحت مقصلة “مجلس السلام”: دماء النازحين تلطخ تفاهمات أكتوبر الهشة
ترامب: “مجلس السلام” يتعهد بـ 5 مليارات دولار وآلاف الأفراد لإعادة إعمار غزة