مصادرة أموال المقاصة: تصعيد قانوني إسرائيلي يعمّق خنق الاقتصاد الفلسطيني
فلسطين- الوعل اليمني.
صعّدت إسرائيل من أدوات الضغط المالي على السلطة الفلسطينية، بإعلانها مصادرة 149 مليون شيكل (نحو 46.8 مليون دولار) من أموال المقاصة، في خطوة تستند إلى قرارات قضائية إسرائيلية وتُدرج ضمن سياسة متواصلة للتحكم بالموارد المالية الفلسطينية، وسط تحذيرات من تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة.
أعلنت ما تُسمى “سلطة الإنفاذ والجباية” الإسرائيلية، التابعة لوزارة القضاء الثلاثاء، أنها حوّلت المبلغ المصادَر إلى 124 ملف إنفاذ جباية، فُتحت استنادًا إلى أحكام قضائية أقرت تعويضات مدنية وعقابية لصالح عائلات قتلى ومصابين إسرائيليين في عمليات نفذها فلسطينيون بين عامي 2001 و2023.
وبحسب البيان الإسرائيلي، جرى تحويل الأموال من وزارة المالية الإسرائيلية، المسؤولة عن جباية أموال المقاصة، إلى مديرية الإنفاذ، قبل توزيعها على وكلاء قانونيين يمثلون العائلات المستفيدة. واعتبرت سلطات الاحتلال أن هذه الأموال “قابلة للحجز” بزعم ارتباطها بما تصفه بـ”مدفوعات تُصرف للأسرى الفلسطينيين”.
الأساس القانوني المعلن
تستند إسرائيل في هذه المصادرات إلى ما يُعرف بـ”قانون تعويض ضحايا الإرهاب”، الذي يتيح للمحاكم الإسرائيلية فرض تعويضات مالية على السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية. ومن أبرز الملفات التي شملتها المصادرة حكم صدر عام 2024 يقضي بدفع تعويضات بقيمة 10 ملايين شيكل على خلفية عملية وقعت في شارع بن يهودا بالقدس عام 2001.
كما شملت الحجوزات ملفات تعويض مرتبطة بتفجيرات وعمليات إطلاق نار ودهس وقعت في القدس وتل أبيب ومستوطَنات الضفة الغربية خلال الأعوام 2002–2004، إضافة إلى عمليات لاحقة بين عامي 2016 و2023، من بينها تفجير مقهى “مومنت”، وحافلات في القدس، وعمليات إطلاق نار قرب مستوطنتي “عوفرا” و”عيلي”.
تحت السيطرة الإسرائيلية
“أموال المقاصة” هي الضرائب المفروضة على السلع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية، سواء عبر إسرائيل أو من خلال المعابر التي تسيطر عليها، وتُجبى نيابة عن السلطة الفلسطينية. وتحتجز إسرائيل حاليًا قرابة 4 مليارات دولار من هذه الأموال بتراكمات مختلفة، ما فاقم الأزمة المالية الخانقة التي تعانيها السلطة.
وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن المستحقات غير المدفوعة لموظفي القطاعين العام والخاص تجاوزت 4.26 مليارات دولار، في ظل عجز متزايد عن الإيفاء بالالتزامات الأساسية، وتأخر متكرر في صرف الرواتب، وتعثر في تقديم الخدمات العامة.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
يرى خبراء اقتصاديون أن التحكم الإسرائيلي بأموال المقاصة يمثل أداة الضغط الأشد على الاقتصاد الفلسطيني. ويؤكد أستاذ العلوم المالية والاقتصادية في الجامعة العربية الأميركية، الدكتور نصر عبد الكريم لوكالات صحفية، أن الاحتجاز الجزئي ثم الكامل لأموال المقاصة خلال الفترة الماضية أدخل المالية العامة في حالة شلل شبه تام، ورفع الدين العام إلى نحو 46 مليار شيكل.
ويحذّر عبد الكريم من أن استمرار هذه السياسات ينذر بانهيار معيشي واجتماعي، في ظل أزمة سيولة حادة تضرب القطاع الخاص، وتراجع قدرة الحكومة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والموردين.
انتقادات قانونية وحقوقية
حقوقيون فلسطينيون يعتبرون استخدام المنظومة القضائية والإدارية الإسرائيلية لمصادرة أموال المقاصة انتهاكًا صريحًا للاتفاقيات المالية الدولية، وعلى رأسها بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي ينظم العلاقة المالية بين الجانبين. ويؤكدون أن تحويل أموال الضرائب، وهي حق خالص للشعب الفلسطيني، إلى تعويضات لمستوطنين، يكرّس مبدأ “العقاب الجماعي” ويحوّل الخلاف السياسي إلى حرب اقتصادية مفتوحة.
تأتي هذه الخطوة في سياق سياسة إسرائيلية أوسع تقوم على إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد الفلسطيني، من خلال التحكم بالمعابر والعملة والضرائب وحركة الاستيراد والتصدير، وربط السوق الفلسطينية قسرًا بالاقتصاد الإسرائيلي.
وفي ظل الجمود السياسي، يحذّر اقتصاديون من أن الخيارات المتاحة أمام السلطة الفلسطينية باتت محدودة، وأن أي أفق لمعالجة الأزمة المالية يظل مرهونًا بتحقيق اختراق سياسي حقيقي يضع حدًا لاستخدام الأدوات المالية كوسيلة ضغط دائمة على الفلسطينيين.






