معلمون يمنيون على شفير الإعدام.. صرخة الإنسانية في سجون الحوثي

خاص
في زنزانة معتمة لا تدخلها الشمس، يقف ثلاثة معلمين يمنيين على خط رفيع يفصل الحياة عن الموت. تسع سنوات من الاختطاف، التعذيب، الإخفاء القسري، والمحاكمات الصورية، انتهت بورقة واحدة: “منطوق حكم بالإعدام”. ورقة لا تعني فقط نهاية أعمارهم، بل تلخص مسارا طويلا من انهيار العدالة، وتحوّل القضاء إلى أداة قتل سياسي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، في لحظة يبدو فيها العالم منشغلًا بحروب أخرى، بينما يُساق المدنيون اليمنيون بصمت نحو المقصلة.
أحكام موت
في الوقت الذي تتواصل فيه التنديدات الحقوقية بإصدار المليشيا الحوثية أحكامًا بالإعدام ضد مختطفين مدنيين، بينهم الناشطة فاطمة العرولي بعد 15 شهرًا من اختطافها، كشف مدير مكتب حقوق الإنسان في أمانة العاصمة صنعاء، فهمي الزبيري، عن مخطط حوثي لإعدام ثلاثة معلمين من محافظة المحويت، بعد تسع سنوات من الاختطاف والتعذيب والإخفاء القسري.
يقول الزبيري إن المليشيا تستغل انشغال المجتمع الدولي بالحرب على غزة لتصفية خصومها السياسيين داخل السجون، عبر أحكام إعدام تصدرها محاكم خاضعة لتوجيهات أمنية، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني وكل المواثيق الحقوقية.
من هم المعلمون الثلاثة؟
المعلمون الذين يواجهون خطر الإعدام هم “إسماعيل محمد أبو الغيث
صغير أحمد صالح فارع “عبد العزيز أحمد أحمد العقيلي “جميعهم من أبناء محافظة المحويت، مدنيون، يعملون في سلك التعليم، لا يحملون سلاحًا، ولا تربطهم أي صلة بجرائم عنف، سوى انتماء سياسي مخالف لجماعة الحوثي، وهو “الجرم” الذي دفعهم إلى هذا المصير.
لحظة الاختطاف
تعود فصول القضية إلى عام 2015، في ذروة توسع الحوثيين عسكريا. تم اعتقال إسماعيل أبو الغيث في منطقة خميس بني سعد بتاريخ 4 أبريل 2015، واقتياده إلى جهة مجهولة. أما صغير فارع وعبد العزيز العقيلي، فقد اعتقلا من نقطة أمنية في منطقة نهم في 5 يناير 2015، أثناء محاولتهما الفرار من الملاحقة بسبب انتمائهما السياسي ,منذ تلك اللحظة، اختفى الثلاثة عن العالم. لم تُبلّغ أسرهم بمكان احتجازهم، ولم يُسمح لهم بالتواصل مع محامٍ أو معرفة التهم الموجهة إليهم.
سنوات في العتمة
لأكثر من خمس سنوات، ظل المعلمون الثلاثة في عداد “المخفيين قسرا”. تقول مصادر مقربة من الضحايا إنهم احتُجزوا في إسطبل مظلم داخل كهف مهجور في جبل كوكبان بمحافظة المحويت. مكان أقرب إلى القبر منه إلى السجن، لا ضوء، لا تهوية، ولا أدنى شروط إنسانية.
أحد أقاربهم يصف تلك المرحلة بالقول: “كنا نبحث عنهم بين الأحياء والأموات. لا رسالة، لا خبر، فقط صمت طويل”.
حين يتحول الجسد إلى ساحة انتقام
التعذيب الذي تعرض له المعتقلون لا يمكن اختصاره. مصادر قانونية وحقوقية أكدت أنهم خضعوا لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي. صغير فارع، بحسب تقارير طبية، لم يعد قادرًا على الوقوف أو المشي بشكل طبيعي نتيجة التعذيب الوحشي. عبد العزيز العقيلي فقد جزءا كبيرا من بصره بسبب احتجازه الطويل في أماكن مظلمة ,معتقلون سابقون أفرج عنهم تحدثوا عن تقييد الأقدام، كلبشة الأيدي لساعات طويلة، الضرب المبرح، الحرمان من الطعام والماء، الحبس الانفرادي تحت الأرض، الرش بالماء البارد، والتعليق في وضعية يسمونها الحوثيون “السمكة”، مع الضرب على مواضع حساسة.
أما التعذيب النفسي، فكان أكثر قسوة: تهديد مباشر بالقتل، إهانات، إجبار على التوقيع على أوراق مجهولة، اتهامات جاهزة بالخيانة والتعامل مع “دول العدوان”، وابتزاز الأسر ماليا مقابل وعود كاذبة بالإفراج.
“زرناه فبكينا”
محمد، شقيق المعتقل صغير فارع، قال لمنظمة سام: “عندما زرناه وجدناه في حالة تدمى لها القلوب. لم نعرفه. آثار التعذيب واضحة على جسده، وصوته بالكاد يُسمع. خرجنا من الزيارة ونحن نشعر أننا ودعناه”.
من الكهوف إلى المحاكم
بعد سنوات من الإخفاء، نقل المعتقلون بين عدة سجون: في الحديدة، عمران، صنعاء، ثم أعيدوا إلى شبام كوكبان، حيث احتُجزوا في جرف صخري حوله إلى سجن ,في نهاية عام 2020، أُحيلوا إلى جهاز الأمن السياسي، حيث جرى “تلبيسهم” تهمة اغتيال أحمد محمد المهدي ورفاقه، وهي جريمة وقعت في منطقة تبعد نحو 100 كيلومتر عن أماكن وجودهم المؤكدة آنذاك.
الإعدام… الحكم الجاهز
في 2021، أحيل الملف إلى النيابة الجزائية المتخصصة. المحامون يؤكدون أن ملف القضية يخلو من أي دليل مادي، باستثناء “اعترافات” انتُزعت أثناء الإخفاء القسري، ونكرها المتهمون أمام المحكمة ,سجلات الاتصالات الرسمية أثبتت أن المتهمين كانوا في أماكن بعيدة ساعة وقوع الجريمة. ومع ذلك، تجاهلت المحكمة تلك الأدلة، وسارت الإجراءات بوتيرة غير معتادة، في إشارة واضحة إلى وجود توجيهات مسبقة.
يصف محامون المحاكمة بأنها صورية. لم يُسمح للمتهمين بتقديم أدلة الدفاع، رُفضت دفوع قانونية واضحة، وقُبل استئناف ورثة المجني عليه رغم عدم جوازه قانونيًا. يقول أحد المحامين لموقع الوعل اليمني “كان الحكم مكتوبا مسبقا، والجلسات مجرد مسرح ,انتهت المحكمة الابتدائية إلى الحكم بإعدام المعلمين الثلاثة حدًا وقصاصًا. ثم أيدت محكمة الاستئناف الحكم، وأضافت غرامات مالية، في تجاهل كامل لانتهاكات الإجراءات وضمانات العدالة.
القضاء كسلاح سياسي
منظمة سام للحقوق والحريات أكدت أن هذه القضية نموذج صارخ لاستخدام القضاء كأداة سياسية. ويقول رئيس المنظمة توفيق الحميدي إن معظم أحكام الإعدام تصدر في توقيتات تتزامن مع حديث عن تسويات سياسية، ما يكشف عن نية ترهيب الخصوم.
تشير إحصائيات سام إلى أن المحاكم الخاضعة للحوثيين أصدرت أكثر من 550 حكم إعدام منذ 2014، معظمها بحق مدنيين ومعارضين سياسيين.
قبل أن يسقط السيف
لا تقف الانتهاكات عند المعتقلين. في محافظة ذمار، اختطفت المليشيا طفلين، سياف (16 عامًا) وعلى (15 عامًا)، للضغط على والدهما المعلم المختطف. زوجته ظهرت في مقطع مصور تستغيث، بينما يُحاصر منزلها، وتُمنع من العلاج، ويُستخدم أطفالها كرهائن. أهالي المعلمين الثلاثة يناشدون العالم. يسألون المبعوث الأممي: أين أنتم؟ أين حقوق الإنسان؟ زوجة عبد العزيز العقيلي أطلقت نداءً عاجلًا لإنقاذ زوجها من الإعدام الوشيك، قائلة إن أبناءها ينتظرون أباهم كل مساء ,هذه ليست قضية ثلاثة معلمين فقط. إنها قصة بلد تسحب فيه العدالة من تحت أقدام المدنيين، ويُترك الضحايا وحدهم في مواجهة الموت. الإعدام هنا ليس حكمًا قضائيًا، بل فعل انتقام. وقبل أن يسقط السيف، ما يزال هناك وقت، ولو ضئيل، لإنقاذ حياة، ولإثبات أن الإنسانية لم تمت بعد






