مع بدء المرحلة الثانية.. الاحتلال يقوّض وقف النار ويصعّد القتل والتجويع في غزة

غزة _ الوعل اليمني

في اليوم الأول لانطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، صعّد الاحتلال الإسرائيلي خروقاته الميدانية والإنسانية في قطاع غزة، عبر غارات جوية وقصف مدفعي وعمليات نسف لمبانٍ سكنية، في مشهد يعكس تقويضًا عمليًا للاتفاق وبنوده الإنسانية، ويؤكد استمرار سياسة القوة والإخضاع على الأرض.

فجر الخميس، شنت طائرات الاحتلال الحربية غارات جوية استهدفت شرقي مدينة غزة، بالتزامن مع إطلاق نار من الآليات العسكرية المتمركزة في المناطق الشرقية للمدينة. وفي جنوب القطاع، استهدفت غارات مماثلة شرقي مدينة خانيونس، بينما قصفت المدفعية الإسرائيلية شمال شرقي مخيم البريج وسط القطاع، في وقت نفذت فيه قوات الاحتلال عمليات نسف لمبانٍ سكنية شرقي مخيم جباليا شمال غزة.

وتأتي هذه الخروقات بعد ساعات قليلة من إعلان المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، مساء الأربعاء، إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة، والتي يُفترض أن تنتقل من وقف إطلاق النار إلى ترتيبات سياسية وإدارية تشمل تشكيل إدارة تكنوقراطية والشروع في إعادة الإعمار.

وأكد شهود عيان استمرار القصف المدفعي من مواقع الاحتلال المتمركزة على جبل الريس شرقي حي التفاح، مستهدفًا مناطق شمالي مدينة غزة، في حين واصلت الآليات العسكرية إطلاق النار في محيط المناطق الشرقية، وسط حالة من التوتر الميداني وانعدام الاستقرار الأمني.

أرقام الخروقات

ومع دخول المرحلة الثانية حيّز التنفيذ، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن حصيلة خروقات الاحتلال خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بلغت 1244 خرقًا، ارتُكبت خلال 95 يومًا منذ سريان الاتفاق في 10 أكتوبر 2025 وحتى صباح الخميس 15 يناير 2026، في انتهاك وصفه المكتب بـ”الجسيم والمنهجي” للقانون الدولي الإنساني ولجوهر وقف إطلاق النار.

وبحسب التقرير الحكومي، شملت الخروقات 402 جريمة إطلاق نار مباشر ضد المدنيين، و66 عملية توغل للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية، و 581 جريمة قصف واستهداف المواطنين عُزّل ومنازلهم، إضافة إلى 195 جريمة نسف وتدمير لمنازل ومؤسسات وبنايات مدنية. وأسفرت هذه الانتهاكات عن استشهاد 449 مواطنًا ممن وصلوا إلى المستشفيات، وإصابة 1246 آخرين، إلى جانب 50 حالة اعتقال غير قانوني نفذتها قوات الاحتلال.

خنق إنساني

وعلى الصعيد الإنساني، كشف المكتب الإعلامي أن الاحتلال لم يلتزم بالكميات المتفق عليها لإدخال المساعدات، إذ دخل إلى قطاع غزة خلال المرحلة الأولى 24,611 شاحنة فقط من أصل 57 ألف شاحنة، بمتوسط يومي بلغ 259 شاحنة، أي بنسبة التزام لم تتجاوز 43 بالمئة. وأدى هذا التقييد إلى استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود، وتعميق الأزمة الإنسانية في القطاع.

وأشار التقرير إلى أن غالبية المواد الغذائية التي سُمح بإدخالها ذات قيمة غذائية متدنية، في حين يمنع الاحتلال إدخال المواد الغذائية الأساسية والغنية، في ما اعتبره المكتب سياسة تجويع وتعطيش ممنهجة. كما بلغت شحنات الوقود الواردة إلى القطاع 601 شاحنة فقط من أصل 4,750 شاحنة منصوص عليها في الاتفاق، بمتوسط 6 شاحنات يوميًا بدلًا من 50، بنسبة التزام تقارب 12 بالمئة، ما أبقى المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي في حالة شبه شلل.

أزمة الإيواء

وفي ملف الإيواء، حذّر المكتب الإعلامي من تفاقم الكارثة الإنسانية جراء استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال البيوت المتنقلة والكرفانات ومواد الإيواء، بالتزامن مع موجات البرد والمنخفضات الجوية، ما أدى إلى انهيار أكثر من 50 منزلًا ومبنىً متضررًا، وسقوط شهداء وجرحى، إضافة إلى تسجيل وفيات بسبب البرد داخل خيام النازحين.

وبيّن التقرير أن أكثر من 127 ألف خيمة خرجت عن الخدمة ولم تعد صالحة لتوفير الحد الأدنى من الحماية لأكثر من 1.5 مليون نازح، مؤكدًا أن استمرار هذه السياسات يمثل التفافًا خطيرًا على اتفاق وقف إطلاق النار ومحاولة لفرض معادلة إنسانية قائمة على الإخضاع والابتزاز.

وحمل المكتب الإعلامي الحكومي الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن التدهور المستمر في الأوضاع الإنسانية، وعن الأرواح التي أُزهقت والممتلكات التي دُمّرت خلال فترة يُفترض أن يسود فيها وقف كامل ومستدام لإطلاق النار. كما دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والجهات الراعية والوسطاء، والمجتمع الدولي، والأمم المتحدة، إلى تحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، وإلزام الاحتلال بتنفيذ التزاماته كاملة دون انتقاص، وضمان حماية المدنيين، وتأمين التدفق الفوري والآمن للمساعدات الإنسانية والوقود، وإدخال مواد الإيواء وفق ما نص عليه الاتفاق.

ويأتي هذا التصعيد في وقت لا يزال فيه الاحتلال يسيطر على الشريطين الجنوبي والشرقي من قطاع غزة، وأجزاء واسعة من شماله، محتلاً قرابة 50 بالمئة من مساحة القطاع، فيما يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني أوضاعًا إنسانية وُصفت بأنها الأسوأ منذ عقود، في ظل إبادة مستمرة خلّفت منذ 8 أكتوبر 2023 أكثر من 71 ألف قتيل وما يزيد على 171 ألف جريح، ودمارًا طال نحو 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية، بتكلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.

Exit mobile version