مقالات
أخر الأخبار

موت القانون الدولي وتحدّي الفاشية المعاصرة

مصطفى البرغوثي

لم يكن العالم بحاجة لأن يرى استباحة فنزويلا وسيادتها بهذا الشكل الفظ، كي يدرك أنّ منظومة القانون الدولي التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية قد ماتت. فما جرى في غزة من ثلاث جرائم حرب متوازية، بما فيها الإبادة الجماعية، والعقوبات الجماعية وتجويع شعب بأكمله كانت كافية لكشف ذلك الموت، الذي أكّده فرض الولايات المتحدة عقوباتٍ على محكمتَي الجنايات والعدل الدوليتَين.

ولم تكن عملية موت القانون الدولي سريعة، بل جرت سنواتٍ على نحوٍ متصاعد، إذ سبقتها مقدّمات خطيرة كغزو العراق، أو التنكر لأكثر من ألف قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الحقوق الفلسطينية، أو التغليب المتصاعد للمصالح المادية للدول الكبرى على مبادئ القانون الدولي وأعرافه، وبخاصّة الاستباحة الإسرائيلية المتكرّرة ليس للشعب الفلسطيني فحسب، بل ولدول المنطقة بكاملها. غير أن ظاهرة موت القانون الدولي، يرافقها كما جرى بعد الحرب العالمية الأولى صعود خطير للفاشية العالمية، بما في ذلك ظهور أحزاب أوروبية ولاتينية أميركية تتبنّى الأساليب الفاشية علناً، وبعضها وصل إلى الحكم، وبعض آخر يسعى إلى ذلك، ومن أبرزها الفاشية الصهيونية في إسرائيل.

ومن الواضح أن الفاشية المعاصرة تستخدم الديمقراطية ثم تدمر جوهرها، وتحولها إلى هياكل شكلية، غير أن الأخطر أنها تجعل قمع الشعوب واحتلال أراضيها وضمّها أمراً ضرورياً كما تفعل إسرائيل بفلسطين. وما يجري عالمياً حالياً، يظهر أن الصمت على جرائم الحرب وخرق القانون الدولي ضد الشعب الفلسطيني أصبح وسيلة لتشريع وتطبيع فكرة تمزيق القانون الدولي وارتكاب جرائم الحرب عالمياً. وكأنّ الإبادة الجماعية في غزّة كانت بوابة عبور الفاشية لتدمير القانون الدولي عالمياً.

العالم في أمس الحاجة اليوم إلى تحالف شعبي ومدني عالمي ضد الفاشية والإمبريالية المعاصرة وعملية التدمير الخطيرة للقانون الدولي

وكما كتب إمبرتو إيكو، وحنة أرندت، نادراً ما تظهر الفاشية فجأة، بل تتطوّر تدريجيا تحت غطاء “الأمن” و”النظام” و”المصالح القومية”، والدعوة إلى تضخيم أنانية الدولة مثلاً “جعل أميركا عظيمة من جديد” والادعاء بتفوق العرق على الشعوب الأخرى (شعب الله المختار)، والولاء للمصالح القومية أسمى من القيم الأخلاقية وحقوق الإنسان، والعداء للمؤسّسات الدولية والجماعية كالأمم المتحدة، ونزع إنسانية الشعوب الأخرى، كما فعلت إسرائيل بالشعب الفلسطيني، والهجوم على الأقليات والمهاجرين ووصفهم بالطفيليات والخطر الأمني على القيم الاجتماعية. ومنذ سنواتٍ، كان الهجوم على اللاجئين والمهاجرين في أوروبا، وبعد ذلك في الولايات المتحدة، القاعدة الرئيسية لتطوّر التعصّب العنصري وصولاً إلى الفاشية.

ويترافق هذا كثيراً مع تمجيد “الفرد القائد” وعبودية الفرد، وتكريس نمط الحكم بالمراسيم، بالإضافة إلى ادّعاء امتلاك الحقيقة ونزع شرعية الباحثين والصحافة المستقلة، وقمع حرية الرأي والتعبير. ولعل أخطر مقدّمات تدمير القانون الدولي كان التعايش الدولي مع منظومة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيونية وتجاهل جرائمها، وخصوصاً التطهير العرقي.

ويمثل تحوّل أجزاء كبيرة من الرأسمالية الليبرالية إلى الرأسمالية الاحتكارية المتوحشة، القاعدة الاقتصادية لتدمير القانون الدولي والمؤسّسات الدولية والانحدار نحو الفاشية السياسية. وما جرى اغتياله تباعاً بفعل هذه العملية، قواعد وقوانين التجارة الحرة، التي أخلت مكانها لاستعادة القيود الجمركية، وحدود (وسيادة) الدول التي صارت مستباحة لكل من يملك القوة العسكرية الطاغية، ومنظومات الضمان الاجتماعي في الدول الغربية، التي ستنهار بتصاعد الإنفاق العسكري على السلاح، ومنظومات القوانين التي تحقق التوازن الاجتماعي، والتي تنهار بضغط الفاشية داخلياً في كل دولة. ولكن الضحية الكبرى لقتل القانون الدولي وصعود الفاشية هي من دون شك حقوق الإنسان، وكل المنظومات القانونية الدولية والمؤسّسات التي حاولت طوال العقود الثمانية الماضية الحفاظ عليها. وكأنّ البشرية لم تتعلم من كل ما جرى بعد الحرب العالمية الأولى، وإلّا ما معنى كل هذا الهجوم على الأمم المتحدة ومؤسساتها، وإعلان الرئيس الأميركي ترامب انسحابه من 66 مؤسّسة دولية، وكل هذا التنكّر لجهود الحفاظ على المناخ العالمي؟

قتل القانون الدولي وصعود الفاشية عالمياً، يتوافق ويمثل وحدة عنصرية مع تطور الإمبريالية المعاصرة

ومن الواضح أنّ قتل القانون الدولي وصعود الفاشية عالمياً، يتوافق ويمثل وحدة عنصرية مع تطور الإمبريالية المعاصرة، ومظاهر ذلك واضحة كالشمس، إذ إنّ تمركز رأس المال العالمي، يجعله في حاجةٍ ملحّةٍ للتوسّع، وكما قالت روزا لوكسمبرغ، الرأسمالية “إما أن تتوسع أو تموت”، وكي يتوسّع رأس المال الاحتكاري فإنه بحاجة لأسواق جديدة، وعمالة رخيصة في بلدانها لا يسمح لها الهجرة إلى الدول الغنية، ومواد خام، وفي مقدمتها النفط والغاز والمعادن الثمينة والنادرة.

ويمثل تمركز رأس المال العالمي أكبر المحفزات لتصاعد الإمبريالية العالمية، إذ يملك 60 ألف شخص من الرأسماليين ثلاثة أضعاف ما يملكه أربعة مليارات (أربع آلاف مليون) إنسان في العالم. ويملك أقل من 1% من سكان العالم ثلاثة أرباع الثروة العالمية. ولذلك نرى التركيز على السيطرة على نفط بلدان الشرق الأوسط وفنزويلا التي تملك أكبر مخزون نفطي، وكذلك على ما يحمله باطن غرينلاند من ثروات معدنية غير مستخرجة.

ومثلما أدى انهيار الاتحاد السوفياتي إلى نشوء منظومة “القطب الواحد” أكثر من ثلاثة عقود، فإن المخاطر التي تهدّد مكانة “القطب الواحد”، مع تصاعد المنافسة الصينية، ومنظومات تعدّد الأقطاب، يجعله أكثر عدوانيةً وصراحة. ومن أهم الأدوات التي تستعملها الإمبريالية المعاصرة استخدام سلاح العقوبات ضد الدول والأفراد، وتغيير الأنظمة، والتلويح المتواصل بالحرب ضدّ “الإرهاب”، واستخدام القروض والديون المالية للسيطرة على الدول ومقدّراتها، (بعض الدول العربية تنفق 52% من ميزانيتها على خدمة الديون). ولكن من أخطر وسائل السيطرة الحديثة ما تسمّى “الإمبريالية الرقمية” بالسيطرة على منظومات المعلومات وشبكاتها، ووسائل الاتصالات والإعلام، وخصوصاً الإعلام الرقمي واللوغاريتميات، بالإضافة إلى برامج التجسّس الإلكتروني ووسائله.

ما يشهده العالم اليوم صعود خطير لثلاثية مدمّرة، تدمير القانون الدولي، وصعود الفاشية، وتوسّع الإمبريالية الاستعمارية المعاصرة

ما يشهده العالم اليوم صعود خطير لثلاثية مدمّرة، تدمير القانون الدولي، وصعود الفاشية، وتوسّع الإمبريالية الاستعمارية المعاصرة. ويبقى استنتاجان مهمان للغاية في فهم هذا التطور العالمي؛ أولاً أنّ النضال الفلسطيني ضدّ حروب الإبادة والتجويع والتطهير العرقي، هو جزء من النضال العالمي ضد الفاشية وتدمير القانون الدولي، بل إنّ النضال الفلسطيني من أهم مواقع مواجهة الفاشية والإمبريالية العالمية، وهذا ما يفسّر تصاعد حراك التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، فالذين يساندونه يرون في ذلك جزءاً من مواجهتهم الظلم الإمبريالي العالمي، والفاشية الصاعدة، و في مواجهة الأنظمة التي تساند العدوانية الإسرائيلية بكل ثقلها، وكأنّ فلسطين أصبحت إسبانيا العصر الحديث في مواجهة الفاشية الصاعدة.

ثانياً: العالم في أمس الحاجة اليوم إلى تحالف شعبي ومدني عالمي ضد الفاشية والإمبريالية المعاصرة وعملية التدمير الخطيرة للقانون الدولي.

رغم كل عدوانيتها ووحشيتها، التي أودت بحياة 60 مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية، هُزمت الفاشية، ولن يكون مصير الفاشية الحديثة أفضل، لأسباب عدّة، أهمها أن انتصارها سيعني فناء البشرية والكرة الأرضية. ولأن هناك تصاعداً لا سابق له بين الشعوب والمجتمعات المدنية والأحزاب والقوى السياسية والنقابات التي تدرك أن نضالها لم يعد قُطرياً، بل صار عالمياً لحماية الإنسانية جمعاء ولحماية مستقبل البشرية.

زر الذهاب إلى الأعلى