مقالات

ميونيخ… اليمن بوابة استقرار البحر الأحمر

بقلم :د. علي العسلي

لم يكن حضور اليمن في ميونيخ مجرد مشاركة بروتوكولية في مؤتمر دولي مزدحم، بل لحظة تحوّل نادرة، استطاع فيها فخامة الرئيس رشاد العليمي نقل اليمن من هامش السردية الدولية إلى قلب الحسابات الجيوسياسية. لم يُطرح أمن الممرات المائية مجرد شأن بحري تقني، بل كاختبار لقدرة النظام الدولي على حماية مصالحه عبر الدولة اليمنية: البحر لا يستقر ما لم تستقر اليابسة، والملاحة لا تُصان بالأساطيل وحدها، بل بالدولة القادرة على فرض القانون واحتكار الأمن على شواطئها.

في قلب هذا التحوّل برزت مرتكزات رؤية الرئيس، التي لم تكن خطاب شكوى، بل مشروع بناء دولة متكامل. فقد أعاد تعريف نقطة البداية: تصالح داخلي لإنهاء الانقلاب والانقسام، وتجريم الطائفية والسلاح المنفلت، مع تأكيد أن أي اندماج إقليمي أو شراكة دولية لا يمكن أن تقوم فوق أرض منقسمة أو سلطة منقوصة السيادة. سعى الرئيس للاصطفاف الوطني الواسع لإنهاء الانقلاب والتمزق، كي يكون اليمن مؤهلاً للانخراط الكامل مع محيطه وجيرانه. بهذا المعنى، لم يعد السلام مجرد تسوية سياسية، بل إعادة تأسيس لفكرة الدولة نفسها بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار والانضمام الإقليمي.

كما حملت المداخلة انتقالًا نوعيًا من الدعم التقليدي إلى أفق التكامل الجيو-اقتصادي مع الخليج، رؤية تشبه في طموحها خطط الإعمار الكبرى في التاريخ الحديث. استقرار اليمن لم يعد عبئًا إنسانيًا، بل أصبح استثمارًا مباشرًا في أمن المنطقة وازدهارها. البحر الأحمر وباب المندب ليسا مجرد ممرين مائيين، بل شريان حي يمر عبره جزء مؤثر من تجارة العالم وطاقة اقتصاده، وأي خلل فيهما يتردد صداه في الأسواق العالمية.

اللافت أن خطاب الرئيس تجنّب الغرق في صراع القوى الكبرى، واختصر المعادلة في ثلاثية واضحة: اليمن، البحر الأحمر، الخليج. هذا الاختزال الذكي أعاد توجيه البوصلة نحو جوهر القضية الحقيقية: استعادة الدولة اليمنية هي المدخل الوحيد لحماية الممرات المائية وصون الاستقرار الإقليمي. وهكذا تحوّل اليمن من هامش في صراع الآخرين إلى مركز في معادلة أمنهم المشترك.

ميونيخ نقل اليمن من خانة المأساة الإنسانية إلى مستوى الضرورة الاستراتيجية، أي من مطلب أخلاقي إلى شرط موضوعي لحماية النظام الدولي نفسه. حين يصبح استقرار اليمن مصلحة دولية مباشرة، تتبدل طبيعة الفعل الدولي من إدارة الخطر إلى إنهائه، ومن التكيف مع الفوضى إلى إعادة بناء الدولة. فالربط بين الردع وبناء المؤسسات، وليس القوة المجرّدة، هو الذي يضمن الأمن. الردع الحقيقي لا تصنعه البوارج، بل الدولة حين تستعيد احتكارها المشروع للقانون والسلاح معًا، وإلا ستظل العمليات العسكرية مجرد مسكنات زمنية لأزمة أعمق جذورًا.

الميزة الجوهرية لهذه الرؤية أنها تحول الدعم الدولي من إغاثة مؤقتة إلى استثمار طويل الأمد، حيث يصبح استقرار اليمن جزءًا لا يتجزأ من الأمن العالمي. البحر الأحمر وباب المندب، وهما شريان حيوي للتجارة والطاقة، لم يعدا مجرد تحدٍ جغرافي، بل اختبار لقدرة المجتمع الدولي على حماية مصالحه عبر حماية الدولة اليمنية.

ميونيخ كشف أيضًا عن بعد زمني بالغ الحساسية: نافذة تاريخية قصيرة قبل أن تتحوّل الفوضى إلى واقع دائم يصعب تغييره. إنها لحظة تقول بوضوح إن كلفة الانتظار أصبحت أعلى من كلفة الفعل، وأن إنقاذ اليمن لم يعد موقفًا تضامنيًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. الأزمات حين تُترك دون حسم تتحوّل إلى بنى صلبة، والفرص حين تُهدر لا تعود بنفس الصورة.

في العمق، ما جرى يمثل انتقالًا من دبلوماسية إدارة الخطر إلى سياسة إنهاء أسبابه. استقرار الممرات لا تصنعه القوة العسكرية وحدها، بل الدولة القادرة، الاقتصاد النشط، والمجتمع المتصالح مع ذاته. القيمة الحقيقية لميونيخ لا تكمن في الكلمات التي قيلت على المنصات، بل في الطريق الذي يمكن أن يبدأ بعدها. التاريخ لا يتذكر الخطب، بل اللحظات التي تغيّر اتجاه الدول.

واليمن اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة: إمّا أن يتحوّل من ساحة اضطراب مزمن إلى ركيزة استقرار إقليمي يعبر العالم من خلالها بأمان، وإمّا أن يكتشف الجميع—بعد فوات الأوان—أن أمن البحار يبدأ دائمًا من قرار شجاع بإنقاذ اليابسة.

زر الذهاب إلى الأعلى