نجا من الإعدام ليواجه الخذلان

محمد علي الجنيد.. صحفي حطّم الحوثيون قلمه ففتح أبواب فندق في الخوخة
كان الليل يضغط على صدره كقبضة خفية. ممر ضيق، ضوء أصفر منهك، وخطوات تقترب ببطء. لم يكن محمد علي الجنيد يخشى السجن، فقد عرفه مبكرا، ما كان يرعبه حقا أن يُطلب منه مرة أخرى أن يكذب، أن يتخلى عن صوته، وأن يوقّع على سلام ملوث ينجو به جسدا ويموت روحا.
قالوا له بهدوء قاس: كن معنا. لم يصرخوا، لم يهددوا، فقط تركوا الباب مفتوحا بين خيارين: ألم نظيف أو نجاة مشروطة. في تلك اللحظة لم يستحضر شعارات ولا خطبا، استحضر آية واحدة:
رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.
صحفي من الهامش
وُلد محمد علي الجنيد في الخوخة، حيث البحر جار يومي، والنخيل ذاكرة مفتوحة. هناك تعلم الإصغاء للتفاصيل الصغيرة، وتحويل الهامشي إلى حكاية. منذ أواخر التسعينات، اختار الصحافة طريقا، أسس مجلة محلية، وكتب عن الناس البسطاء، عن الأماكن التي لا تصلها الكاميرات.
لم يكن يعلم أن الكلمة في بلد مختطف قد تتحول إلى تهمة، وأن الكتابة ستطارده سنوات طويلة، وأن السجن لن يكون جدرانا فقط، بل حياة تُسحب منه قطعة قطعة.
كتب الجنيد سلسلة مقالات نقدية جريئة تحت عنوان “تفاهات الحسين بدر الدين في ملازمه السوداء”، كشف فيها ما وصفه بزيف الخطاب العقائدي، وكان ذلك كافيا ليُدرج اسمه في قوائم الاستهداف.
لحظة الانكسار
في مساء الأربعاء 13 نوفمبر 2018، كان الجنيد في منزله بحي السلخانة في مديرية الحالي بمحافظة الحديدة، يلعب مع ابنه أركان (7 أعوام) وابنته رينال (عامان). ضحكة قصيرة، ولحظة دفء، ثم صوت خرج من مكبر محمول، باردا بلا روح:
يا صحفي محمد علي الجنيد، اخرج فورا.. البيت محاصر.
سقطت الضحكة، وتجمّد الزمن. في ثوانٍ فهم أن حياته انقسمت إلى ما قبل وما بعد. سلّم زوجته دفترا يحوي أرقامه، وقال لها بصوت مكسور: لا تخافي، الحوثيون يريدونني.
خرج ولم يعد.
خمس دقائق امتدت لسنوات
قالوا له: خمس دقائق ونعود. خمس دقائق تحولت إلى خمس سنوات وسبعة أشهر. قُيّدت يداه، عُصبت عيناه، وتنقل بين سجون بلا أسماء. أولها سجن المدافن خلف الأمن السياسي في شارع الستين بالحديدة، ثم نُقل إلى صنعاء، حيث صار الألم رفيقا دائما.
لا ليل ولا نهار في السجن، فقط وجع وأسئلة بلا إجابة.
مرّ الجنيد بخمسة سجون، من المدافن إلى الأمن السياسي، وصولا إلى شملان الجديد، حيث لا تزال الذاكرة تنزف. يروي:
قلعوا لي أربع أسنان بالقوة، وضربوني حتى لم أعد أستطيع الجلوس، وكانوا يعلقونني أكثر من سبع ساعات يوميا من المغرب حتى الفجر، إضافة إلى التعذيب بالأسلاك الكهربائية والتعذيب النفسي.
محاولة قتل بغطاء طبي
في أغسطس 2021، تعرض لآلام حادة في البطن. نُقل إلى مستشفى الثورة بصنعاء، حيث أُجريت له عملية جراحية دون مراعاة لإصابته بالسكري. تم استئصال ثلثي القولون والشبكة المغذية للمعدة، وعبث بالأمعاء، وترك أطباء الجماعة مناديل طبية داخل بطنه، كما يقول، في محاولة لإنهاء حياته بعد خروجه من السجن.
أعيد إلى السجن بعد يوم واحد فقط من العملية، ما أدى إلى تمزق الجرح بالكامل. نُقل لاحقا إلى المستشفى السعودي الألماني، ثم أُعيد مجددا إلى السجن، حيث واصل الألم دون علاج حقيقي.
محاكمة بلا عدالة
بعد ثلاث سنوات من التعذيب، خضع الجنيد لمحاكمة في 2021، وُجهت إليه فيها أكثر من عشرين تهمة، بينها المشاركة في مقتل صالح الصماد، ورصد شخصيات حوثية، والتخابر مع “العدوان”. انتهت جميعها بحكم إعدام.
رفضت الجماعة الإفراج عنه ضمن صفقات تبادل، قبل أن يخرج بوساطة منظمة العفو الدولية في 1 يوليو 2023.
خرج بجسد نحيل، وصوت هادئ، وعينين تعرفان الحقيقة.
نجاة ناقصة
بعد الإفراج عنه، زار أسرته، لكن التهديدات استمرت، فاضطر للهرب بحرا إلى الخوخة. خضع هناك لعملية تصحيح جراحية لإزالة آثار الجراحة السابقة، لكنه اصطدم بواقع أقسى من السجن: الفراغ.
لا عمل، لا احتواء، ولا حتى سؤال صادق عن حاله. عامان كاملان قضاهما بعيدا عن أسرته، يتأمل الطريق، محاولا فهم كيف يكون الخذلان أثقل من القيود.
يقول: توقعت أن أجد عملا في المقاومة الوطنية، خاصة أن لي علاقات سابقة هناك، وظننت أن الفريق أول طارق صالح سيقدر ما تعرضت له، لكن ذلك لم يحدث.
من الكلمة إلى المفاتيح
بحث الجنيد عن الصحافة فلم يجدها، بحث عن اسمه في ذاكرة الساحل الغربي فوجد الغبار. اليوم يعمل عاملا بسيطا في فندق “الشرق الأوسط” بالخوخة. يفتح الأبواب للآخرين، بينما أُغلقت في وجهه كل الأبواب التي فتحها يوما بالكلمة.
لا يمد يده، ولا يطلب شفقة. يريد فقط عملا شريفا، لقمة حلال، وإحساسا بأنه ما زال قادرا على الوقوف.
صحفي قضى أكثر من خمسة عشر عاما يكتب قصص الآخرين، انتهى به المطاف قصة موجعة بحد ذاتها.
ويبقى السؤال مع خطواته البطيئة:
كم يحتاج الناجون من السجون، لينجوا من الخذلان؟
المصدر ” يمن ديلي






