نزيف صامت يهدد الاقتصاد… سياسات الأمر الواقع تدفع رؤوس الأموال والكفاءات إلى الهجرة

خاص

في ظل تحذيرات متصاعدة من خبراء اقتصاديين، تتزايد المخاوف من موجة هجرة جديدة تطال رؤوس الأموال والكفاءات المهنية في مناطق سيطرة سلطة صنعاء، وسط بيئة اقتصادية توصف بأنها طاردة للاستثمار ومثقلة بالجبايات والقيود. تحذير الخبير الاقتصادي علي أحمد التويتي من “نزيف اقتصادي واجتماعي أكبر” فتح الباب أمام قراءة أوسع للواقع المالي والنقدي وتأثيره على القطاع الخاص.

مؤشرات اقتصادية مقلقة

تشير تقارير البنك الدولي حول اليمن إلى استمرار الانكماش الاقتصادي وتراجع النشاط الإنتاجي مقارنة بما قبل 2015، مع اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات الإنسانية. كما يؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقاريره أن الاقتصاد اليمني فقد جزءا كبيرا من قدرته الإنتاجية، وأن أي تعافٍ يتطلب بيئة مؤسسية مستقرة وسياسات مالية واضحة.

ويرى مراقبون أن استمرار القيود على القطاع الخاص وتعدد الرسوم والجبايات أسهم في تقليص حركة السوق، وأدى إلى إغلاق عدد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة خلال السنوات الأخيرة.

اختلال الدورة النقدية

الخبير الاقتصادي علي أحمد التويتي يقول لموقع الوعل اليمني إن “المشكلة الجوهرية تكمن في اختلال الدورة النقدية، حيث لا تعود الإيرادات إلى السوق على شكل رواتب وخدمات، ما أدى إلى شح السيولة وتراجع القوة الشرائية بشكل غير مسبوق”. ويضيف أن هذا الخلل تسبب في ركود واسع طال مختلف القطاعات.

تجار بين الخسارة والتفكير بالرحيل

تاجر مواد غذائية في صنعاء – فضل عدم ذكر اسمه – يقول لموقع الوعل اليمني إن حجم مبيعاته تراجع إلى أقل من النصف خلال العامين الماضيين، موضحا أن “الأسواق تعاني من ركود حاد، والمواطن لم يعد قادرا على شراء احتياجاته كما في السابق”. ويشير إلى أن الرسوم المتعددة التي تفرض في مراحل مختلفة من سلسلة التوريد ترفع الكلفة النهائية على المستهلك وتضغط على هوامش أرباح التجار.

صاحب مصنع في قطاع الصناعات البلاستيكية يقول لموقع الوعل اليمني إن ارتفاع أسعار الوقود والطاقة وتضاعف الجبايات جعله غير قادر على منافسة المنتجات المستوردة، مضيفا أن “هناك زملاء بدأوا فعليا بنقل استثماراتهم إلى الخارج حيث البيئة أكثر استقرارا وأقل كلفة”.

أبعاد قانونية وحقوقية

محام متخصص في القضايا التجارية يقول لموقع الوعل اليمني إن “بيئة الأعمال تفتقر إلى الاستقرار التشريعي، وهناك تعدد في الجهات التي تفرض رسوما أو تطلب التزامات مالية دون وضوح قانوني كافٍ”، مؤكدا أن غياب ضمانات التقاضي العادل يضعف ثقة المستثمرين ويجعلهم عرضة لمخاطر غير محسوبة.

من جانبه، ناشط حقوقي يقول لموقع الوعل اليمني إن الحق في العمل وحرية النشاط الاقتصادي من الحقوق الأساسية، وإن أي قيود أو جبايات خارج الأطر القانونية تمثل مساسا مباشرا بهذه الحقوق، وتنعكس سلبا على الاستقرار الاجتماعي.

هجرة الكفاءات

أكاديمي في جامعة أهلية بصنعاء يقول لموقع الوعل اليمني إن أخطر ما في المشهد الحالي هو تفكير شريحة واسعة من الخريجين وأصحاب المهن في الهجرة، مضيفا أن “خسارة الأطباء والمهندسين والمديرين والخبراء الماليين تعني إضعاف قدرة البلاد على التعافي مستقبلا حتى لو تحسنت الظروف السياسية”.

وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى تزايد أعداد اليمنيين الباحثين عن فرص عمل خارج البلاد، في ظل تراجع فرص التوظيف المحلية وارتفاع معدلات البطالة.

تداعيات اجتماعية واقتصادية

عبد الكريم سعد باحث اجتماعي يقول لموقع الوعل اليمني إن استمرار هجرة رؤوس الأموال سيؤدي إلى انخفاض فرص العمل وزيادة معدلات الفقر، موضحا أن “الاقتصاد يعمل كحلقة مترابطة، وإذا خرج رأس المال تتعطل فرص الإنتاج والتوظيف، ويزداد العبء على المجتمع”.

دعوات لإصلاح عاجل

يؤكد قاسم علي ” ناشط” لموقع الوعل اليمني أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى نزيف أكبر، داعيا إلى إعادة تنشيط الدورة النقدية، وضخ الرواتب بانتظام، وتوحيد السياسات المالية، ووقف الجبايات المزدوجة، وخلق بيئة استثمارية مستقرة تضمن بقاء رأس المال والكفاءات داخل الوطن.

في ظل هذه المعطيات، تبدو البلاد أمام مفترق طرق اقتصادي حاسم: إما إصلاحات تعيد الثقة إلى السوق، أو استمرار نزيف صامت قد يفرغ الداخل من موارده البشرية والمالية في وقت هو بأمس الحاجة إليها.

Exit mobile version