تقارير
أخر الأخبار

هل تكرّس إسرائيل الضم الفعلي للضفة؟ قراءة سياسية في قرارات الكابينت 

فلسطين – الوعل اليمني 

في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) على حزمة قرارات غير مسبوقة تستهدف إعادة تشكيل الواقع القانوني والإداري في الضفة الغربية المحتلة. وتفتح هذه القرارات، وفق قراءات سياسية وقانونية، الباب أمام انتقال إسرائيل من سياسة «الضم الزاحف» إلى تكريس ضم فعلي على الأرض، بما يقوّض ما تبقى من اتفاقيات مرحلية ويضع مستقبل القضية الفلسطينية أمام مفترق حاسم.

قرارات مفصلية

تتمحور قرارات الكابينت حول تغيير قواعد إدارة الأرض والسكان في الضفة الغربية، من خلال رفع القيود القانونية التي كانت تحول دون شراء الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية، وإلغاء العمل بالقانون الأردني الذي كان معمولًا به قبل عام 1967، إضافة إلى رفع السرية عن سجلات الأراضي، بما يتيح الوصول إلى بيانات الملكية الفلسطينية على نطاق واسع.

وفي السياق ذاته، أعادت الحكومة الإسرائيلية تفعيل آليات حكومية لشراء الأراضي عبر «أمين أملاك الدولة»، وهو إجراء يعيد إلى الواجهة ممارسات سرية استُخدمت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لتوسيع الاستيطان بغطاء قانوني.

سحب الصلاحيات

إلى جانب ملف الأراضي، شملت القرارات نقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق حساسة بمدينة الخليل، ولا سيما محيط الحرم الإبراهيمي، من بلدية الخليل الفلسطينية إلى ما تُعرف بـ«الإدارة المدنية الإسرائيلية». ويعني ذلك عمليًا تجريد السلطة الفلسطينية من صلاحيات سيادية نصت عليها الاتفاقيات الموقعة، وفتح المجال أمام توسع استيطاني مباشر داخل المدن الفلسطينية.

كما قرر الكابينت توسيع صلاحيات أجهزة الإنفاذ الإسرائيلية لتشمل المنطقتين «أ» و«ب»، الخاضعتين – وفق اتفاقية أوسلو – للإدارة المدنية الفلسطينية، بما يسمح بتنفيذ عمليات هدم ومنع بناء بذريعة حماية الآثار أو البيئة أو موارد المياه.

أوسلو تحت المجهر

بموجب اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995، قُسّمت الضفة الغربية إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج»، على أن تكون هذه الترتيبات مؤقتة بانتظار اتفاق الوضع النهائي. غير أن القرارات الإسرائيلية الجديدة تتجاوز هذا الإطار كليًا، وتتعامل مع الاتفاقيات باعتبارها عائقًا يمكن الالتفاف عليه بقرارات إدارية وعسكرية.

ويرى خبراء قانونيون أن إسرائيل لا تملك، من الناحية القانونية، إلغاء اتفاقيات ثنائية من جانب واحد، إلا أن ممارساتها على الأرض تهدف إلى تفريغ هذه الاتفاقيات من مضمونها، وفرض وقائع جديدة تجعلها غير قابلة للتطبيق.

ضم زاحف

يصف مختصون في القانون الدولي هذه الإجراءات بأنها تجسيد واضح لسياسة «الضم الزاحف»، حيث يجري توسيع السيطرة الإسرائيلية تدريجيًا دون إعلان رسمي، مستفيدة من اختلال موازين القوى، والدعم الأميركي، وضعف الردع الدولي.

ويؤكد هؤلاء أن توسيع الاستيطان، وفتح سوق العقارات أمام المستوطنين، ومنحهم القدرة على شراء الأراضي مباشرة، يشكل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، التي تحظر على دولة الاحتلال نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة أو استغلال مواردها.

السياق الميداني

تأتي هذه القرارات في ظل تصعيد غير مسبوق تشهده الضفة الغربية منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث ارتفعت وتيرة الاقتحامات، وعمليات القتل والاعتقال، وهدم المنازل، بالتوازي مع تسارع التوسع الاستيطاني.

وتشير معطيات فلسطينية إلى استشهاد أكثر من ألف فلسطيني، وإصابة الآلاف، واعتقال عشرات الآلاف خلال هذه الفترة، ما يعزز المخاوف من أن يكون التصعيد الحالي جزءًا من استراتيجية شاملة لإعادة هندسة الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية.

القدس في الصدارة

في القدس، تتقاطع قرارات الكابينت مع مخططات استيطانية بعيدة المدى، أبرزها مشروع «القدس 2050»، الذي يستهدف رفع عدد المستوطنين إلى ملايين، مقابل تقليص الوجود الفلسطيني إلى أقل من 10 بالمئة من سكان المدينة.

وتشمل هذه المخططات توسيع حدود بلدية القدس، وربطها بشبكات مواصلات ومناطق صناعية وتجارية، بما يعزز عملية الضم الديمغرافي والجغرافي للمدينة المحتلة.

مواقف رافضة

أثارت القرارات الإسرائيلية موجة إدانات عربية وإسلامية، حيث أكدت ثماني دول عربية وإسلامية، في بيان مشترك، أن هذه الإجراءات باطلة ولاغية، وتشكل انتهاكًا واضحًا لقرارات مجلس الأمن الدولي، ولا سيما القرار 2334، الذي يدين جميع محاولات تغيير الوضع القانوني والديمغرافي للأراضي المحتلة.

كما حذرت هذه الدول من أن السياسات الإسرائيلية الحالية تقوّض حل الدولتين، وتدفع بالمنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار.

إلى أين؟

في ضوء هذه التطورات، يذهب محللون إلى أن إسرائيل تسعى لفرض واقع جديد بالقوة، يجعل من الضم الرسمي مسألة وقت لا أكثر، في ظل غياب ضغط دولي فعّال. ويرون أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الفلسطينيين، رسميًا وشعبيًا، على صياغة استراتيجية مواجهة سياسية وقانونية تعيد الاعتبار للشرعية الدولية، وتمنع تصفية القضية الفلسطينية عبر قرارات إدارية تُفرض من طرف واحد.

وبينما تستمر إسرائيل في توسيع سيطرتها على الأرض، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما نشهده اليوم هو نهاية فعلية للمرحلة الانتقالية، وبداية لمرحلة ضم شامل يعاد تعريفه تحت مسميات قانونية جديدة؟

زر الذهاب إلى الأعلى