غزة – الوعل اليمني
في واحدة من أكثر الوقائع صدمة منذ بدء الحرب على قطاع غزة، تحوّل طفل لم يتجاوز عامه الثاني إلى أداة ضغط خلال تحقيق عسكري، في مشهد قاسٍ يعكس حجم الانتهاكات التي تطال المدنيين، ويطرح تساؤلات عميقة حول مصير الأطفال في ظل استمرار العمليات العسكرية.
في مشهد إنساني بالغ القسوة، تكشّفت تفاصيل جريمة مروّعة تعرّض لها الطفل كريم أبو نصار (نحو عام ونصف)، بعدما استخدمته قوات الاحتلال وسيلة للضغط على والده المعتقل، خلال حادثة وقعت شرق مخيم المغازي وسط قطاع غزة.
وبحسب روايات متطابقة لشهود عيان، فإن الشاب أسامة أبو نصار خرج قبل يومين برفقة طفله لقضاء بعض الاحتياجات، قبل أن يفاجأ بإطلاق نار كثيف في المنطقة القريبة من الحدود الشرقية. وفي تلك الأثناء، أجبرته طائرة مسيّرة من نوع “كواد كابتر” على ترك طفله أرضًا والتوجه نحو حاجز عسكري، حيث تم احتجازه وتعريته تمهيدًا للتحقيق معه.
وفي السياق ذاته، أفادت الشهادات بأن قوات الاحتلال احتجزت الطفل بالتزامن مع استجواب والده، قبل أن تلجأ إلى تعذيبه أمام عينيه في محاولة لانتزاع اعترافات. ووفق شهادة والدة الطفل، المدعومة بتقرير طبي، تعرّض كريم لأساليب تعذيب وحشية، تمثلت في إطفاء السجائر في جسده، ونخزه بأدوات حادة، وصولًا إلى إدخال مسمار حديدي في ساقه.
وعقب نحو عشر ساعات من الاحتجاز، أُفرج عن الطفل وسُلّم إلى عائلته عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوق المغازي، وهو في حالة صحية ونفسية صعبة، بينما لا يزال والده رهن الاعتقال دون معلومات واضحة حول مصيره.
في المقابل، أثارت الحادثة موجة غضب واسعة على المستويين الشعبي والحقوقي، حيث اعتبر ناشطون ومختصون أن ما جرى يشكّل جريمة حرب مكتملة الأركان، وانتهاكًا صارخًا لكافة القوانين الدولية، لا سيما تلك المتعلقة بحماية الأطفال.
وفي هذا الإطار، أكد أستاذ القانون الدولي محمد مهران أن تعذيب طفل رضيع بهذه الطريقة، واستخدامه كوسيلة ضغط نفسي على والده، يندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي، مشيرًا إلى أن اتفاقيات جنيف واتفاقية حقوق الطفل تحظر بشكل قاطع أي شكل من أشكال التعذيب أو المعاملة القاسية بحق المدنيين، خصوصًا الأطفال.
كما شدد مهران على أن احتجاز طفل بهذا العمر وتعذيبه يمثل انتهاكًا مركبًا يجمع بين التعذيب الجسدي والنفسي، داعيًا إلى فتح تحقيق دولي عاجل ومحاسبة المسؤولين أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وتأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي يتم توثيقها في قطاع غزة، والتي تشمل استهداف المدنيين والأطفال بشكل مباشر، في ظل تحذيرات متزايدة من خطورة استمرار الصمت الدولي، الذي قد يسهم في تكرار مثل هذه الجرائم.
وبينما عاد الطفل كريم إلى حضن عائلته مثقلاً بجراحه، تبقى معاناة الأسرة مفتوحة على مصير مجهول للأب، وعلى آثار نفسية وجسدية عميقة لطفل لم يدرك بعد معنى الألم الذي تعرض له، في واحدة من أكثر القصص التي تلخص مأساة الطفولة في غزة.







