
أزهار الكحلوت
لم يعودوا أرقامًا في جداول الإحصاء، ولا عناوين عابرة في نشرات الأخبار. في شارعٍ بنيويورك، بعيدًا آلاف الكيلومترات عن غزة المحاصَرة، اصطفت أسماء أطفالٍ فلسطينيين قُتلوا قبل أن تكتمل أعمارهم، لتصير شاهدًا إنسانيًا لا يمكن تجاهله. هنا، في قلب واحدة من أكثر مدن العالم صخبًا وتأثيرًا، وقف الفن في مواجهة السياسة، والذاكرة في مواجهة النسيان، ليقول إن وراء كل رقم طفلًا كان يحلم، وأسرةً كانت تنتظر، وحياةً قُطعت قبل أوانها.
في وقتٍ تواصل فيه الحكومات الغربية تقديم الغطاء السياسي والعسكري للاحتلال الإسرائيلي، تتسع داخل المجتمعات الغربية ذاتها مساحات التضامن الإنساني مع ضحايا الإبادة الجماعية في قطاع غزة. لم يعد هذا التضامن محصورًا في التظاهرات أو البيانات الحقوقية، بل بات يتجلّى بوضوح في الفضاء الثقافي والفني، حيث يتحوّل الفن إلى أداة مساءلة أخلاقية، تكشف زيف الرواية الرسمية، وتعيد للضحايا أسماءهم ووجوههم وحكاياتهم.
في هذا السياق، برز عمل فني ضخم في حي بروكلين بمدينة نيويورك حمل عنوان “جدار الدموع”، ليشكّل نصبًا تذكاريًا لأكثر من 18,457 طفلًا فلسطينيًا استشهدوا في قطاع غزة خلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 19 يوليو/تموز 2025، استنادًا إلى بيانات وزارة الصحة في غزة.
يمتد الجدار على طول يقارب 15 مترًا وارتفاع ثلاثة أمتار، وصُنع من مادة فينيل مقاومة للماء والأشعة فوق البنفسجية، بلون رملي يستحضر أرض غزة المحاصَرة. كُتبت عليه أسماء الأطفال بترتيب زمني وفق تاريخ استشهادهم، في محاولة واعية لتحويل الأرقام القاسية إلى سجل إنساني مفتوح. يبدأ السرد باسم الطفل وسام إياد محمد أبو فسيفس (14 عامًا)، وينتهي باسم الطفلة صباح عمر سعد المصري (8 أعوام)، وبينهما آلاف الأسماء التي تحكي قصة جيلٍ أُبيد تحت القصف.

أُقيم العمل في شارع غراتان بالقرب من مساحة معروفة في الحي، ونفّذه الفنان الأميركي فيل بوهلر، بالتعاون مع منظمة Radio Free Brooklyn غير الربحية. وقال بوهلر في تصريحات صحافية إن الجدار “قد يبدو من بعيد كلوحة تجريدية”، لكنه يجذب المارّة للاقتراب، قبل أن يصطدموا بحقيقة أن ما أمامهم هو أسماء آلاف الأطفال الذين قُتلوا في غزة. وأضاف أن رؤية الأسماء، إلى جانب صور مختارة وقصص قصيرة لبعض الأطفال مأخوذة من تقارير صحافية، تدفع المشاهدين إلى تخيّل أبنائهم وعائلاتهم، وتخلق صدمة إنسانية تتجاوز أي خطاب سياسي.
وأوضح الفنان أن هذا العمل كان من أصعب مشاريعه على المستوى العاطفي، مشيرًا إلى أن الجدارية باتت “متأخرة عن الواقع” حتى قبل افتتاحها، إذ توثّق الضحايا حتى يوليو 2025 فقط، بينما واصلت قوات الاحتلال قتل مئات الأطفال بعد ذلك التاريخ، بما في ذلك خلال فترات التهدئة ووقف إطلاق النار.

وجرى افتتاح “جدار الدموع” بالتزامن مع الذكرى الثانية لاستشهاد الطفلة هند رجب، التي قُتلت داخل سيارة كانت تقلّها مع أقاربها أثناء محاولتهم الوصول إلى مكان آمن في غزة. وقد شكّلت مكالمات استغاثتها الأخيرة مادة أساسية لفيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، المرشح لجوائز سينمائية عالمية، ما يعكس حضور المأساة الفلسطينية في الضمير الثقافي العالمي.
ويأتي هذا العمل ضمن مسار فني واضح في تجربة بوهلر، الذي سبق أن أنجز مشاريع مثل “جدار الأكاذيب” الذي وثّق آلاف التصريحات الكاذبة للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، و**“جدار العار”** حول اقتحام الكونغرس عام 2021، إضافة إلى مشروع “الأسِرّة الفارغة” الذي سلّط الضوء على اختطاف الأطفال الأوكرانيين. ويؤكد هذا المسار أن الفنان يتعامل مع الفن بوصفه أداة محاسبة أخلاقية، لا مجرد تعبير جمالي.
ويُقام “جدار الدموع” في مدينة تضم واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في العالم خارج إسرائيل، وسط جدل سياسي محتدم حول الحرب على غزة. وقد شدد بوهلر على رفضه الخلط المتعمّد بين معارضة الإبادة الجماعية ومعاداة السامية، معتبرًا أن هذا الخلط يُستخدم لإسكات أي نقد أخلاقي، ويقوّض إمكان النقاش العام الحر.
لا يقف “جدار الدموع” كعمل فني عابر، بل كشهادة أخلاقية على جريمة يحاول العالم الرسمي تجاهلها. جدارٌ من أسماء، كل اسم فيه حكاية، وكل حكاية دمعة، وكل دمعة سؤال مفتوح في وجه الإنسانية: كم طفلًا آخر يجب أن يُكتب اسمه على الجدران قبل أن يتحرّك الضمير العالمي؟








