تقارير
أخر الأخبار

غزة.. جيل "الفقد" ينمو بين الركام: 64 ألف يتيم يواجهون المجهول في يوم اليتيم العربي

غزة _ الوعل اليمني 

في غزة، لم يعد اليُتم حكاية فردية تُروى، بل تحوّل إلى مشهد جماعي يعكس عمق المأساة الإنسانية التي خلّفتها الحرب. خلف الأرقام الصادمة، تتشكل حيوات هشّة لأطفال فقدوا الأمان قبل أن يكتمل وعيهم، ليجدوا أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ يتجاوز قدرتهم على الاحتمال.


كشفت وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة، في تقرير إحصائي صدر يوم الأربعاء، عن ارتفاع عدد الأيتام إلى 64,616 طفلًا، من بينهم 55,157 فقدوا معيلهم خلال الحرب الأخيرة، وذلك بالتزامن مع يوم اليتيم العربي الذي يوافق الأول من أبريل.

ويعكس هذا الرقم، بحسب التقرير، مؤشرًا خطيرًا على اتساع رقعة الكارثة الإنسانية في القطاع، حيث لم يعد فقدان أحد الوالدين حالة استثنائية، بل بات ظاهرة جماعية ترتبط بشكل مباشر باستمرار الحرب وتداعياتها.

وفي التفاصيل، سجّلت محافظة غزة النسبة الأعلى من الأيتام بواقع 21,125 طفلًا، أي ما يعادل 32.7% من إجمالي الحالات، في ظل ظروف معيشية تتسم بالقسوة الشديدة نتيجة النزوح الواسع، وفقدان المأوى، وتفكك البنية الأسرية.

وبينت الوزارة أن الأطفال الأيتام يواجهون تحديات مركّبة، لا تقتصر على فقدان الوالدين، بل تمتد لتشمل تدهور الرعاية الصحية، وتعطل التعليم، والنقص الحاد في الغذاء والدواء، ما يضعهم في دائرة الخطر المباشر، خاصة مع استمرار القيود على إدخال المساعدات وتراجع قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة.

وفي السياق ذاته، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 17 ألف طفل في غزة منفصلون عن ذويهم، بينما يعيش نحو 1.9 مليون شخص، أكثر من نصفهم أطفال، في ظروف إنسانية صعبة داخل المخيمات، ما يزيد من تعقيد المشهد ويعمّق معاناة الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبه، يؤكد المتحدث الإقليمي باسم “اليونيسف” سليم عويس أن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الكامل للمأساة، موضحًا أن آلاف الأطفال فقدوا ذويهم في قصف مباشر، فيما يعاني آخرون من إعاقات دائمة. ويضيف أن أكثر من 3 آلاف طفل فقدوا كلا الوالدين، وأن بعضهم بات يتحمل مسؤولية إعالة إخوته في ظل غياب شبكات الحماية.

وفي هذا الإطار، تحذر وزارة التنمية الاجتماعية من تداعيات طويلة المدى لهذه الظاهرة، بما في ذلك تفكك النسيج المجتمعي، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم، والعمل المبكر، خاصة في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.

ورغم قسوة الواقع، لا يزال المجتمع المحلي يحاول التخفيف من حدة الأزمة، حيث بادرت عائلات، رغم ظروف النزوح والفقد، إلى احتضان الأطفال الأيتام، فيما تنشط مبادرات شبابية وجمعيات أهلية في تقديم الدعم النفسي والمادي وتنظيم أنشطة ترفيهية تسهم في التخفيف من آثار الصدمة.

وفي قراءة نفسية، تشير الاختصاصية أرجوان حسن إلى أن مفهوم اليُتم في غزة تجاوز معناه التقليدي، ليشمل شعورًا عامًا بفقدان الأمان لدى معظم الأطفال، مؤكدة أن غياب الاستقرار يعيق تقديم دعم نفسي فعّال، خاصة مع تدمير العديد من مؤسسات الرعاية.

كما أدى القصف إلى تدمير عدد من المراكز المخصصة لرعاية الأطفال، من بينها مؤسسات ومراكز إيواء ودعم، ما زاد من صعوبة توفير بيئة آمنة لهؤلاء الأطفال، في وقت تتآكل فيه قدرات الجهات الحكومية والأهلية.

وفي ختام تقريرها، دعت وزارة التنمية الاجتماعية إلى تحرك عاجل من قبل المؤسسات المحلية والدولية، عبر توفير كفالات مالية شهرية، وتأمين الاحتياجات الأساسية، وإعادة إعمار المرافق الخاصة بالأطفال، إلى جانب تفعيل الحماية القانونية لممتلكاتهم، وتكثيف برامج الدعم النفسي.

وبين واقع يتسع فيه الفقد، وأفق يضيق بفعل الحرب، يواجه أطفال غزة مستقبلًا مثقلًا بالغياب، في انتظار استجابة إنسانية قادرة على انتشالهم من دائرة الألم، ومنحهم فرصة لحياة أكثر استقرارًا وكرامة.


زر الذهاب إلى الأعلى