غزة – الوعل اليمني.
كشف تقرير صادر عن مركز «رؤية» للتنمية السياسية أن إسرائيل انتهجت، خلال الحرب على قطاع غزة وبعدها، سياسة ممنهجة لتدمير القطاع الزراعي، باعتباره أحد أهم ركائز الصمود الاقتصادي والأمن الغذائي للسكان، في إطار مقاربة سياسية واقتصادية أوسع تهدف إلى إضعاف مقومات البقاء في القطاع.
وأشار التقرير إلى أن استهداف الزراعة في غزة ليس طارئًا أو مرتبطًا فقط بالحرب الأخيرة، بل يمتد جذريًا إلى ما بعد احتلال القطاع عام 1967، حيث أظهرت وثائق ومداولات حكومية إسرائيلية مبكرة أن تدمير الزراعة وموارد المياه كان جزءًا من تصور يهدف إلى خلق ظروف معيشية قاسية تدفع السكان نحو الهجرة القسرية.
خلفية تاريخية
منذ بداية الاحتلال، تعرض القطاع الزراعي في غزة لسياسات تدميرية شملت تجريف الأراضي، وتقييد الوصول إليها، وتلويث مصادر المياه، ومنع تطوير البنية التحتية الزراعية. ووفق التقرير، فإن هذه السياسات هدفت بشكل مباشر إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للسكان، وتحويل غزة إلى كيان معتمد على الخارج في غذائه ومعيشته.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى مقترحات إسرائيلية مبكرة، من بينها ما نُسب لرئيس الوزراء الأسبق ليفي أشكول، دعت إلى تجفيف مصادر المياه وتدمير ما تبقى من الزراعة لخلق أزمة اقتصادية وإنسانية تدفع السكان للبحث عن بدائل خارج القطاع.
أهمية الزراعة
قبل الحرب، شكّل القطاع الزراعي أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المحلي في غزة. ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغت مساهمة الزراعة نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة مضافة قاربت 343 مليون دولار، وإنتاج إجمالي بلغ نحو 575 مليون دولار.
كما اعتمد أكثر من 560 ألف شخص كليًا أو جزئيًا على الزراعة والرعي والصيد كمصدر للعيش، في ظل مساحة مزروعة قدرت بنحو 117 ألف دونم، تنوعت محاصيلها بين الخضروات الأساسية، والأشجار المثمرة، وبعض المحاصيل التصديرية.
مع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، انتقلت سياسات الاستهداف الزراعي إلى مستوى غير مسبوق. فقد تعرضت آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية للقصف والتجريف، وتضررت شبكات الري، والبيوت البلاستيكية، وآبار المياه، إضافة إلى منع إدخال البذور والأسمدة والمستلزمات الزراعية.
ووثّق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان تدميرًا واسعًا للأراضي الزراعية، خاصة في شمال وشرق القطاع، حيث بات نحو 80% من الأراضي الزراعية خارج الخدمة، نتيجة التدمير المباشر وتوسيع المناطق العازلة.
أرقام الخسائر
تشير بيانات مؤسسات بحثية وحقوقية إلى أن التدمير طال أكثر من 75% من المساحة الزراعية في غزة، مع خروج شبه كامل لشمال القطاع من الدورة الزراعية. كما دُمّر نحو 89% من البساتين، و90% من بساتين الزيتون، و80% من الدفيئات الزراعية، إلى جانب تدمير كامل لقطاع الثروة السمكية.
وامتد الأثر إلى الإنتاج الحيواني، مع تدمير مئات مزارع الأبقار والأغنام، وتضرر عشرات الآبار الزراعية، ما أدى إلى انهيار متكامل لسلاسل الإنتاج الغذائي المحلية.

تداعيات اقتصادية
انعكس هذا التدمير على الاقتصاد المحلي بشكل مباشر، إذ تراجعت المساحات المزروعة بالخضروات من نحو 85 ألف دونم إلى 7 آلاف فقط، وانخفض الإنتاج من أكثر من 400 ألف طن إلى أقل من 50 ألف طن.
وقدّرت الخسائر المالية في الإنتاج الزراعي والصادرات بمئات ملايين الدولارات، بالتوازي مع فقدان عشرات آلاف المزارعين مصدر رزقهم، وتعطّل الصناعات الغذائية المرتبطة بالزراعة، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية تجاوزت 68%.
ما بعد الحرب
رغم توقف الحرب في أكتوبر 2025، لم يشهد القطاع الزراعي تعافيًا فعليًا، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية ومنع إدخال مواد إعادة الإعمار. كما برز ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» كأحد أخطر التحديات، حيث وضع مساحات واسعة من الأراضي الزراعية تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة.
وبحسب تقديرات قانونية، فإن أكثر من نصف الأراضي الزراعية باتت ضمن هذا النطاق، ما أدى إلى خروج نحو 90 ألف دونم إضافية من الخدمة، وتقليص القدرة الإنتاجية المحلية إلى مستويات لا تغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الغذائية للسكان.
يخلص التقرير إلى أن تدمير القطاع الزراعي في غزة لا يمكن فصله عن سياق حرب الإبادة والسياسات الاقتصادية العقابية، بل يمثل أداة مركزية لكسر الصمود المجتمعي وفرض وقائع ديموغرافية وسياسية جديدة.
ويؤكد أن إنقاذ الزراعة في غزة يتطلب تحركًا دوليًا جادًا، يضمن حماية هذا القطاع كمنشأة مدنية، ويدعم إعادة تأهيله وتمكين المزارعين، ويكفل حرية الوصول إلى الأرض والموارد، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا للأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.








