أحمد درويش
ليست كل التسريبات فضائح، فبعضها يفتح أبواب السياسة المغلقة. في مراسلات إبستين تظهر تركيا وأردوغان ضمن مشهد معقد من إعادة تشكيل الجيش، وصراع النفوذ، والتحولات الثقافية بعد محاولة الانقلاب. ماذا رأت تلك الدوائر؟ ولماذا أثارت أنقرة هذا القدر من القلق؟
لم تكن وثائق جيفري إبستين التي أُفرج عنها مؤخرًا محصورة في دائرة الفضائح الشخصية أو شبكات النفوذ المالي فحسب، بل كشفت ضمن مراسلاتها المتعددة عن إشارات سياسية وأمنية لافتة، من بينها ما يتعلق بتركيا وسياساتها الداخلية ودور رئيسها أردوغان في إعادة صياغة موقع بلاده إقليميًا، وهذه الإشارات كما وردت في نصوص المراسلات لا تأتي في سياق تقريري رسمي، بل ضمن تقييمات وملاحظات متبادلة تعكس نظرة أطراف مختلفة إلى التحولات التي شهدتها تركيا خلال السنوات الماضية.
فماذا تقول هذه الوثائق عن أردوغان؟ وكيف تصوّر التغييرات التي طرأت على الجيش التركي والمشهد السياسي والمؤسسات التعليمية؟ وما الذي تكشفه عن مرحلة ما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016؟
أردوغان في وثائق إبستين.. زعيم يغيّر المعادلات
تُظهر المراسلات المنسوبة إلى جيفري إبستين اهتمامًا واضحًا بالسياسات التي انتهجها الرئيس التركي أردوغان، لا سيما تلك المتعلقة بإعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة، وفي توصيف مباشر لذلك فقد ورد في مراسلات إبستين أن أردوغان “يقوم بتطهير صفوف الجيش التركي ممن كانت تربطهم تاريخيًا علاقات جيدة مع إسرائيل”، في إشارة إلى تغييرات داخل المؤسسة العسكرية لم تُقرأ – في هذه الرسائل – بوصفها إجراءات إدارية معزولة بل كجزء من توجه أوسع لإعادة تشكيل الدولة.
كما تصف المراسلات أردوغان بأنه زعيم لم يتعامل مع الخلافات الإقليمية وخاصة مع حكومة نتنياهو باعتبارها مجرد مادة خطابية للاستهلاك الداخلي، بل بوصفها صراعًا سياسيًا ودبلوماسيًا حقيقيًا على أرض الواقع، وأشارت المراسلات في هذا السياق إلى أن موقف أردوغان من سياسات الحكومة الإسرائيلية لم يُنظر إليه كخطاب شعبوي عابر وإنما كعامل ضغط فعلي في لحظة إقليمية وُصفت بأنها مرحلة “ضعف إسرائيلي”.
وتستخدم المراسلات لغة لافتة في وصف هذا التحول، من بينها الإشارة إلى أن أردوغان “استعرض عضلاته العثمانية الجديدة” في تعبير يعكس قراءة ترى في السياسة التركية محاولة لاستعادة دور تاريخي ودبلوماسي وإقليمي فاعل يتجاوز حدود التحالفات التقليدية.
تطهير الجيش التركي وإعادة تشكيله
من أبرز المحاور التي تكررت في وثائق إبستين ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية التركية، فوفقًا للمراسلات إن ما جرى داخل الجيش التركي في عهد حزب العدالة والتنمية لم يكن مجرد تغييرات محدودة بل قطيعة داخلية في بنية القوات المسلحة، وتشير النصوص إلى أن تركيا أعادت تشكيل جيشها ليكون أقل قابلية للتأثير الخارجي، وهو توصيف يضع هذه الإجراءات في إطار استراتيجي بعيد المدى لا في سياق ردود أفعال مؤقتة.
| مراسلات إبستين تقدم تصورًا لتركيا باعتبارها دولة تعيش مرحلة تحول عميقة، تتجاوز حدود التعديل الجزئي أو الاستجابة الظرفية، ووفق ما يظهر في الوثائق تتقاطع عملية إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية مع مراجعة موقع البلاد في محيطها الإقليمي |
ويُفهم من هذه المراسلات أن إبعاد ضباط وشخصيات وُصفت بأنها ذات علاقات تاريخية مع إسرائيل لم يكن هدفه فقط إعادة ترتيب الولاءات، بل بناء مؤسسة عسكرية منسجمة مع التوجهات السياسية الجديدة للدولة.
وفي هذا السياق تُقدَّم تركيا في الوثائق بوصفها دولة تسعى إلى تقليص هامش التأثير الخارجي في قرارها الأمني وإعادة ضبط علاقتها بمراكز النفوذ الإقليمية، وهو ما جعل هذه التحولات محل انزعاج واضح في بعض المراسلات التي تعكس رؤية غربية غير راضية عن هذا التطور الذي يمنح الجيش استقلالية من ناحية التبعية للخارج وتماسكًا في بنيته وقراراته من ناحية القرار الداخلي.
تركيا كهدف أمني لا كطرف فاعل فقط
تذهب بعض المراسلات الواردة في وثائق إبستين إلى أبعد من توصيف السياسات التركية، لتشير إلى وجود أنشطة استخباراتية غير مباشرة استُخدمت – بحسب النصوص – للضغط على تركيا وإيران، وترد هنا إشارات إلى تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الذي يُذكر في المراسلات كأداة ضغط ضمن صراعات إقليمية أوسع.
هذا الطرح يضع تركيا وفق ما ورد في نصوص المراسلات في موقع “المستهدف أمنيًا” لا الطرف الفاعل وحده، ويعكس رؤية ترى أن السياسات التي انتهجتها أنقرة جعلتها عرضة لمحاولات احتواء أو ضغط غير مباشر عبر ملفات أمنية معقدة.
وتكمن أهمية هذه الإشارات في أنها تُدرج تركيا ضمن شبكة تفاعلات إقليمية لا تقوم فقط على الصراع المباشر بل على استخدام الفاعلين غير الدوليين كوسائل تأثير، وهو ما يظهر في الوثائق كجزء من مشهد أمني متشابك.
محاولة الانقلاب في تركيا في وثائق إبستين
تحتل محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016 مساحة خاصة في الوثائق، لا من حيث تفاصيلها الداخلية بل من خلال ما تلاها من تحركات خارجية، فحسب النصوص الواردة كشفت الوثائق عن مراسلات بين أحد محامي زعيم تنظيم “غولن” – المصنف إرهابيًا في تركيا – وجيفري إبستين، وقد طُلب خلالها دعم لتوفير الحماية لغولن من الملاحقة القضائية والأمنية التركية، حيث كان يقيم في ولاية بنسلفانيا الأمريكية قبل وفاته ودفنه هناك.
وتشير الوثائق إلى أن هذه المراسلات جاءت عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، وتُظهر هذه الرسائل كيف تحوّل الملف التركي بعد 2016 إلى قضية مطروحة في دوائر خارجية بحثًا عن دعم أو نفوذ يمكن توظيفه في مواجهة الضغوط التركية.
وما يتكشف لنا هنا هو أن وجود هذه المراسلات كما ورد في وثائق إبستين يسلط الضوء على البعد الدولي الذي اتخذه الصراع بين الدولة التركية وتنظيم غولن، ويعكس حجم التداعيات التي أحدثتها محاولة الانقلاب خارج حدود تركيا.
الانزعاج من التحول الديني في المؤسسات التعليمية
لا تقتصر الإشارات الواردة في الوثائق على السياسة والأمن بل تمتد إلى المجال الثقافي والتعليمي، ففي رسالة إلكترونية تعود إلى عام 2014 ورد اسم “توماس لاندون” أحد مديري كلية “روبرت” في إسطنبول، في مراسلة بعث بها إلى إبستين عبّر فيها عن مخاوف من تغيير السمة العامة للحياة الاجتماعية في تركيا إلى الطابع المتدين بدعم حكومي.
وأوضح لاندون في رسالته أنه عضو في مجلس إدارة كلية روبرت واصفًا الأخيرة بأنها مؤسسة تعليمية نخبوية تأسست قبل 150 عامًا، وتُخرّج طلابها وفق مبادئ الفنون الليبرالية الغربية، معتبرًا أن رسالة الكلية “لم تكن يومًا أكثر أهمية مما هي عليه اليوم” في ظل ما وصفه بتنامي الطابع المحافظ في تركيا.
ولفت لاندون إلى أن مجلس إدارة الكلية يعمل على مضاعفة جهوده لشرح أهمية دورها التعليمي في هذا المناخ، وفي ظل حكومة “لا تُولي مهمة الكلية أهمية كبيرة” على حد تعبيره، وقد أتى رد إبستين على هذه رسالة لاندون مقتضبًا بقوله: “أخبرني بالمزيد عندما نلتقي”، وهو رد يترك الباب مفتوحًا أمام اهتمام محتمل دون توضيح موقف معين تجاه ما ورد في الرسالة.
هذه المراسلات تعكس جانبًا آخر من صورة تركيا في الوثائق، حيث يُنظر إلى التحولات الاجتماعية والثقافية بوصفها عنصرًا مقلقًا لبعض النخب المرتبطة بالمؤسسات التعليمية ذات الطابع الغربي والذي تُظهر انزاعجًا كبيرًا من محاولات الابتعاد رويدًا عن المبادئ العلمانية في الحياة العامة.
صورة تركيا كما ترسمها الوثائق
عند النظر إلى كل هذه المحاور السابقة مجتمعة سنجد أن مراسلات إبستين تقدم تصورًا لتركيا باعتبارها دولة تعيش مرحلة تحول عميقة، تتجاوز حدود التعديل الجزئي أو الاستجابة الظرفية، ووفق ما يظهر في الوثائق تتقاطع عملية إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية مع مراجعة موقع البلاد في محيطها الإقليمي، إلى جانب إعادة صياغة أدوارها السياسية وما يرافق ذلك من تحولات في المجالين الثقافي والاجتماعي.
وفي قلب هذا المشهد برمته يبرز أردوغان – كما تصوّره المراسلات – بوصفه المحرك الأساسي لهذه التحولات، سواء عبر قرارات تمس بنية الدولة ومراكز القوة فيها أو من خلال مواقف خارجية أعادت رسم طبيعة التفاعل التركي مع قضايا المنطقة، وتتعامل الوثائق مع هذه السياسات باعتبارها نهجًا متماسكًا لا مجرد سلسلة خطوات منفصلة من قبيل المصادفة البحتة.
واللافت هنا أن تركيا حسب وثائق إبستين لا يتم تقديمها كدولة تتكيف مع توازنات مفروضة عليها بل كفاعل قادر على التأثير في تلك التوازنات وإرباكها أحيانًا، وهو ما يفسر نبرة القلق والانزعاج التي تتسلل إلى بعض الرسائل، وبهذا المعنى تعكس الوثائق إدراكًا بأن التحولات التركية لم تكن شأنًا داخليًا محضًا بل تطورًا ذا انعكاسات أوسع على المشهد الإقليمي والدولي.
كلمة أخيرة
لا تنبع أهمية ما يرد عن تركيا وأردوغان في وثائق إبستين من كونه رواية مكتملة أو توصيفًا نهائيًا لمسار دولة، بل من كونه يعكس كيف رأت بعض الدوائر التحولات التي طرأت على الدور التركي خلال السنوات الأخيرة، فالوثائق كما تكشف نصوصها تتعامل مع تركيا بوصفها كيانًا متحركًا يعيد ترتيب أولوياته ويعيد تعريف حضوره ويثير نقاشًا واسعًا حول اتجاهاته السياسية والأمنية والثقافية بل وحتى الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار تكتسب وثائق إبستين دلالتها الأوسع حيث إنها لا ترصد مجرد مواقف أو انطباعات بل تعكس إدراكًا بأن تركيا لم تعد لاعبًا هامشيًا على أطراف المشهد، وأنها باتت طرفًا حاضرًا في حسابات التوازن والقلق معًا، وهو ما يجعل قراءة هذه الوثائق جزءًا من فهم أوسع لتحوّل تركيا إلى فاعل يصعب تجاهله في منطقة لا تزال معادلاتها مفتوحة على احتمالات متعددة.







