تقارير
أخر الأخبار

اقتصاد غزة الرقمي تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي 

تشهد غزة تحولات اقتصادية رقمية مفروضة في ظل الاحتلال والحصار، حيث تسعى مخططات إسرائيلية أمريكية لتحويل القطاع إلى نموذج اقتصاد رقمي تُمسك مفاتيحه جهات خارجية، ما يضع الفلسطينيين تحت سيطرة مالية كاملة ويحوّل الحقوق الأساسية إلى امتياز قابل للسحب، ويعيد إنتاج الحصار بأسلوب ذكي وممنهج.

حذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من مخططات إسرائيلية أمريكية تهدف إلى فرض انتقال قسري إلى نموذج اقتصاد رقمي في غزة، يتم التحكم بمفاتيحه من إسرائيل. وتسحب هذه المخططات كافة أشكال السيولة النقدية، وتعيد تشكيل القطاع كحيّز منزوع السيادة المالية، بما يجعل الوصول إلى المال والمعاملات الأساسية رهناً لقرارات أمنية، ويحوّلها من حق أصيل إلى امتياز قابل للسحب.

المحافظ الرقمية

المحافظ الرقمية قد تستخدم كأداة للسيطرة والابتزاز، وتمثل جيلًا جديدًا من أسلحة الإبادة الجماعية الصامتة، إذ تسمح بالمراقبة الفورية والتقييد التعسفي والتجميد الانتقائي للأموال، مع غياب أي سيادة فلسطينية على البيانات أو الأنظمة المالية أو شروط التشغيل، ما يجعل الغذاء والدواء والسكن رهائن لتقديرات عسكرية.

يعكس تقديم المحافظ الرقمية بوصفها أداة تقنية لإعادة الإعمار غطاءً لهندسة السيطرة على السكان وتعميق التبعية الاقتصادية، إذ يتيح استخدام التكنولوجيا المالية كأداة ضبط جماعي قابلة للبرمجة، ويضع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحت رحمة السلطة الأمنية، مخالفًا قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر العقاب الجماعي وتجريم السكان.

حصر تطوير خدمات الإنترنت المتقدمة في مناطق محددة مثل “رفح الجديدة” يعزز المخاوف من استخدام التكنولوجيا كوسيلة ضغط لإعادة تشكيل التوزيع السكاني وفرض واقع ديموغرافي قسري، بحيث تصبح الخدمات الرقمية امتيازًا جغرافيًا مشروطًا لا حقًا عامًا، ويترسخ التمييز في الوصول للخدمات الأساسية.

الرقابة والابتزاز

أشار المرصد إلى أن أي منظومة مالية رقمية خاضعة لإسرائيل قد تتحول إلى أداة ابتزاز شاملة، لا سيما بحق الصحافيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان. إذ يمكن تجميد المحافظ الرقمية أو وسم الأفراد بصفات أمنية لتعليق وصولهم إلى أموالهم، من دون جهة رقابية مستقلة أو آليات طعن فعالة، ما يعيد إنتاج الابتزاز الاقتصادي بطرق تقنية.

وأوضح المرصد أن رجل الأعمال الإسرائيلي ليران تانكمان، الضابط السابق في وحدة الاستخبارات 8200، طرح تصورًا لإعادة بناء غزة عبر “عمود فقري رقمي آمن” يتيح المدفوعات الإلكترونية والتعليم والخدمات المالية، إلى جانب نظام لوجستي مشابه لمنصات التجارة الكبرى مثل Amazon، ما يحوّل الاقتصاد من مساحة الحقوق إلى فضاء التحكم التشغيلي والأمني ويكرّس تبعية الفلسطينيين لإسرائيل.

الحصار النقدي

منذ أكتوبر 2023، تمنع إسرائيل إدخال العملات النقدية إلى غزة، ما أدى إلى شلل شبه كامل في عمل البنوك وتعذر تقديم خدمات السحب النقدي. ويشكل الانتقال من الحصار النقدي إلى نظام رقمي خاضع للسلطة الإسرائيلية أو لوكلائها إعادة إنتاج للحصار بأسلوب ذكي، يربط الخدمات الأساسية بالامتثال الأمني أو السياسي، ويحوّل المساعدات والرواتب والتجارة إلى أدوات تصنيف وضبط.

أي عملية إعادة إعمار حقيقية يجب أن تضمن سيادة فلسطينية كاملة على الموارد والبيانات والبنية التحتية، وفصل الترتيبات الإنسانية عن الوظائف الأمنية والاستخبارية، مع اعتماد بدائل غير رقمية تكفل عدم إقصاء الفئات الأشد هشاشة، وإنشاء آليات طعن مستقلة وفعالة، وضمان أن أي نظام مالي رقمي لا يمنح الاحتلال القدرة على التحكم أو التجميد.

التحولات الرقمية المفروضة على غزة ليست حلولاً للتعافي الاقتصادي، بل أدوات لإدامة الحصار وتحويل البقاء إلى رهينة قرار أمني، إذ يصبح أي فلسطيني معرضًا لتعليق الوصول إلى أمواله عبر نظام قابل للبرمجة، مما يعمّق التبعية الاقتصادية ويكرّس أدوات ابتزاز جماعي على المستوى المالي والاجتماعي والتقني.

المصدر : وكالات . 

زر الذهاب إلى الأعلى