دخل قانون الجنسية الجديد المثير للجدل في الجزائر حيز التنفيذ بصدوره في الجريدة الرسمية، حيث تم تحديد الحالات التي يتم فيها التجريد من الجنسية الجزائرية سواء كانت الأصلية أو المكتسبة.
ويأتي القانون الجديد كتعديل لسابقه الصادر في 15 ديسمبر 1970، وهو يتضمن أحكاما جديدة تتعلق بشروط وإجراءات التجريد، مع التأكيد على “الطابع الاستثنائي” لهذا الإجراء، خاصة عندما يتعلق بالجنسية الأصلية التي لا يمكن التجريد منها إلا في حال وجدت جنسية مكتسبة. ومع ذلك، وُجدت حالات خاصة للتجريد من الجنسية الأصلية، حتى عندما يكون الشخص بدون أي جنسية أخرى مكتسبة.
وفي أحكامه التفصيلية، نص القانون على إمكانية تجريد كل من اكتسب الجنسية الجزائرية، إذا “صدر ضده حكم قضائي من أجل جناية أو جنحة تمس بالمصالح الحيوية للجزائر أو بالوحدة الوطنية أو بأمن الدولة، أو إذا صدر ضده حكم قضائي في الجزائر أو في الخارج من أجل جناية عقوبتها تساوي أو تزيد عن خمس سنوات سجنا”. كما اشترط “أن تكون الأفعال قد وقعت خلال عشر سنوات من تاريخ اكتساب الجنسية، وألا يُعلن عن التجريد إلا خلال خمس سنوات من تاريخ ارتكاب تلك الأفعال”.
واستحدث القانون المادة 22 مكرر، التي تجيز تجريد كل جزائري، سواء كانت جنسيته أصلية أو مكتسبة، إذا وجدت ضده دلائل قوية ومتماسكة على قيامه، خارج التراب الوطني، بأفعال محددة ولم يتوقف عنها رغم إنذاره.
وتشمل هذه الأفعال: التصرف عن بينة ودون لبس بما من شأنه إلحاق ضرر جسيم بمصالح الجزائر أو بالوحدة الوطنية أو بأمن الدولة واستقرار مؤسساتها أو بوحدة الشعب أو برموز ثورة التحرير الوطني أو القيام علنا بنشاطات معادية للجزائر؛ إبداء الولاء لدولة أخرى أو الإعلان عنه رسميا أو إظهار الإصرار على نبذ الولاء للجزائر بقصد الإضرار بمصالحها؛ أداء خدمات لدولة أخرى أو قبول أموال أو مزايا منها بهدف الإضرار بمصالح الجزائر؛ العمل لصالح قوات عسكرية أو أمنية أجنبية أو تقديم مساعدة لها إضرارا بمصالح الجزائر؛ التعاون مع دولة أو كيان معاد للجزائر؛ وتولي قيادة جماعة أو منظمة إرهابية أو تخريبية، أو النشاط أو الانخراط فيها أو تمويلها أو الدعاية لها بأي وسيلة كانت، إضرارا بمصالح الجزائر.
ونصت المادة ذاتها على أنه في حال ارتكاب هذه الأفعال داخل الجزائر، يمكن تجريد المعني من الجنسية الجزائرية الأصلية إذا كان في حالة فرار خارج التراب الوطني. كما يمكن تجريد كل جزائري يحوز جنسية أخرى مكتسبة واستعملها لضرب الجنسية الجزائرية الأصلية، أو كان يحوز جنسية أخرى سواء كانت أصلية أو مكتسبة واستعملها للإضرار بالجزائر.
وألزمت المادة 22 مكرر بتوجيه إنذار للمعني بكافة الطرق القانونية، بما في ذلك الوسائل الإلكترونية، ومنحه أجلا لا يقل عن خمسة عشر يوما ولا يزيد عن ستين يوما للامتثال. وإذا تعذر تبليغه، يتم الإنذار عن طريق النشر في جريدتين وطنيتين إحداهما بلغة أجنبية.
وأكدت المادة 22 مكرر 1 أن التجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية إجراء استثنائي لا يتم اللجوء إليه إلا للأسباب المحددة على سبيل الحصر ووفقا للضمانات المنصوص عليها في القانون.
وشددت على أنه لا يمكن تجريد المعني من الجنسية الأصلية إلا إذا كان يحوز جنسية أخرى. غير أن هذا الشرط لا يطبق على أفعال الخيانة والتخابر مع دولة أجنبية، وحمل السلاح ضد الجزائر، والمساس بوحدة الوطن والسلامة الترابية، والانتماء بأي صفة كانت إلى الكيانات والتنظيمات الإرهابية، وكل الأفعال التي تستهدف أمن الدولة واستقرارها وفقا للتشريع الساري المفعول.
ونصت المادة 22 مكرر 2 على إنشاء لجنة خاصة لدى وزير العدل، حافظ الأختام، تتولى دراسة ملفات التجريد من الجنسية الجزائرية والبت فيها، على أن تحدد تشكيلتها وتنظيمها وسيرها عن طريق التنظيم.
كما عدلت المادة 23، حيث بات يشترط عدم اتخاذ قرار التجريد إلا بعد إخطار المعني وتمكينه من تقديم ملاحظاته المكتوبة بكل الطرق القانونية، بما في ذلك وسائل الاتصال الإلكترونية، ومنحه أجل ثلاثين يوما يسري من تاريخ انتهاء مدة الإنذار المنصوص عليها في المادة 22 مكرر إذا بقي دون جدوى. وإذا تعذر الاتصال به، يتم إعلامه عن طريق النشر في جريدتين وطنيتين تكون إحداهما بلغة أجنبية. ويتم التجريد من الجنسية بموجب مرسوم رئاسي.
وكان التصويت على مقترح تعديل قانون الجنسية في الجزائر، نهاية العام الماضي، قد أشعل نقاشا حادا بين معارضين ومؤيدين للنص، في ظل وجود مخاوف من المساس بحق دستوري أصيل، مقابل دعوات ترى في التعديل أداة قانونية ضرورية لمواجهة ما يوصف بالمساس الخطير بمصالح الدولة ووحدتها.
ورأى الوزير السابق والدبلوماسي عبد العزيز رحابي أن المقترح، فضلا عن عدم انسجامه مع الضمانات الدستورية الوطنية، يبدو استجابة لظروف ظرفية مرتبطة بقضيتي بوعلام صنصال (الكاتب المدان في الجزائر بالمساس بالوحدة الوطنية) وفرحات مهني (زعيم تنظيم الماك الانفصالي)، أكثر من كونه معالجة لمسألة وطنية جوهرية. وذهب إلى أن تضخيم ظاهرة إعلامية وصفها بالثانوية، ومنحها بعدا وطنيا ملحا، لا يتناسب مع واقع العلاقات الرسمية بين الجزائر وباريس، كما أن التركيز على “مغامر سياسي” – في إشارة إلى فرحات مهني – منحه أهمية لم يكن يحظى بها سابقا، خاصة في منطقة القبائل. وحذر رحابي من أن الانفعال السياسي والإعلامي والتعبئة المؤسسية الجارية قد تخدم، عكس المرتد منه، أهداف هذه الأطراف في الخارج، حيث تعتمد على دعم دول وجماعات معادية للجزائر.
واستحضر رحابي التجربة التاريخية بعد الاستقلال، مذكّرا بأن الآباء المؤسسين لم يلجؤوا إلى تجريد عشرات الآلاف من الحركيين (المتعاونين مع الاستعمار)، الذين وصفهم بخونة الأمة، من جنسيتهم، رغم خطورة أفعالهم، بل فرضوا عليهم قيودا إدارية محددة دون المساس بالجنسية الأصلية أو معاقبة عائلاتهم. واعتبر أن الدولة آنذاك كانت تدرك أولوياتها، وفضّلت الحفاظ على النظام العام والتماسك الوطني، مؤكدا أن مسألة الجنسية لم تتحول حينها إلى موضوع جدل وطني أو أولوية قصوى في حياة الأمة.
وكانت شخصيات حقوقية قد عبّرت عن مواقف ناقدة في بداية عرض المقترح. فقد تحدث المحامي ورئيس حزب “اتحاد القوى الديمقراطية” عبد الرحمن صالح عن خطورة مشروع تعديل قانون الجنسية، معتبرا أن لغة النص، من حيث الشكل، تفتقد لما وصفه بـ“الريشة القانونية”. ورأى أن عددا من الأحكام جاء بصيغة فضفاضة وغير محددة، بما يفتح المجال للتأويل والتفسير بما قد يخالف إرادة المشرع.
بدوره، اعتبر يوسف خبابة، وهو نائب سابق، أن التوجه نحو التجريد من الجنسية سبق أن طُرح في الماضي وتم التراجع عنه نظرا لخطورة هذا الإجراء على الحقوق الأساسية للأفراد وحرية الرأي والتعبير. وأبدى خبابة تخوفه من أن يكون هذا النزوع الجديد مدفوعا بنزعة القمع والعقوبة العاجلة أكثر من مراعاة المصالح العليا للبلاد، معتبرا أن المصلحة العليا، في تقديره، تقتضي ملاحقة الجاني وفقا لإجراءات القانون الدولي وإنزال العقوبة به، بدل تجريد الدولة من ولايتها عليه.
ومن الجانب الرسمي، أكد وزير العدل حافظ الأختام لطفي بوجمعة، أن إعادة النظر في أحكام اكتساب أو فقدان الجنسية أو التجريد منها تعد إجراء استثنائيا جدا، ويطبق فقط في حالات محددة تشمل الضرر بالمصالح العليا للوطن، أو الخيانة العظمى، أو التخابر مع دولة أجنبية، أو المساس بوحدة المجتمع الجزائري. وذكر الوزير أن النص المقترح محدود في نطاقه ويستهدف الحالات الخطيرة جدا المرتبطة بأمن الدولة ووحدتها الوطنية، مع التركيز على الأشخاص الذين يستغلون جنسيتهم الأخرى للنيل من الجنسية الجزائرية الأصلية.

في ذكراها الـ 32.. مجزرة الحرم الإبراهيمي جرحٌ نازف ومخططات تهويد لا تتوقف
خدمات “واشنطن” القنصلية في مستوطنات الضفة: تكريس لسيادة الاحتلال أم إجراء إداري عابر؟
28 قتيلاً بدارفور وعقوبات على شقيق حميدتي و3 من قادة الدعم السريع
الذهب والفضة يرتفعان عالمياً وسط مخاوف الحروب وقرارات ترامب