الذكاء الاصطناعي والجرائم الإلكترونية: خريطة المخاطر الجديدة التي تهدد الشركات عالميًا
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية لتعزيز الكفاءة وزيادة الإنتاج، بل تحول في نظر كبرى الشركات والمؤسسات التأمينية إلى عامل مخاطرة رئيسي يهدد استقرار الأعمال عالميًا. فبينما تسابق المؤسسات الزمن لتبني هذه التكنولوجيا، تحذر التقارير الدولية من أن الاستخدام غير المنضبط أو المسيء للذكاء الاصطناعي قد يفتح الباب أمام خسائر مالية وقانونية وسمعية واسعة.
وفي هذا السياق، كشفت شركة التأمين الألمانية العملاقة «أليانز» عن قفزة لافتة في ترتيب مخاطر الذكاء الاصطناعي، ليصبح ثاني أكبر تهديد يواجه الشركات حول العالم بعد الجرائم الإلكترونية مباشرة.
المخاطر العالمية
بحسب «مقياس المخاطر» السنوي الصادر عن شركة «أليانز»، قفز الذكاء الاصطناعي من المرتبة العاشرة إلى المرتبة الثانية ضمن أبرز المخاطر العالمية التي تواجه الشركات خلال العام الحالي، في تطور يعكس القلق المتزايد من تداعياته التشغيلية والأمنية. وأظهر التقرير أن الذكاء الاصطناعي بات مرتبطًا بشكل وثيق بالجرائم الإلكترونية، لا سيما مع توظيفه من قبل مجرمي الإنترنت لتعزيز قدراتهم على تنفيذ هجمات أكثر دقة وتأثيرًا.
سلاح بيد المجرمين
وأوضحت «أليانز» أن المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الاستخدام الإجرامي فقط، بل تمتد أيضًا إلى الاستخدام المشروع داخل الشركات. فاعتماد المديرين أو الموظفين على أدوات ذكاء اصطناعي تعتمد على بيانات غير دقيقة أو مضللة قد يؤدي إلى قرارات خاطئة ذات تبعات مالية وقانونية جسيمة.
وفي هذا الإطار، حذرت ألكسندرا براون، مديرة «أليانز كوميرشال»، من أن الذكاء الاصطناعي يعمل بدرجات متفاوتة من الاستقلالية، ما يعني أن مخرجاته قد تكون خاطئة أو ملفقة، الأمر الذي قد يجر الشركات إلى دعاوى قضائية أو تغطية إعلامية سلبية أو أضرار مباشرة بالسمعة، فضلًا عن احتمالات انتهاك حقوق النشر عند استخدام محتوى محمي دون إذن.
الهندسة الاجتماعية
وأكدت «أليانز» تسجيل زيادة ملحوظة في استخدام مجرمي الإنترنت للذكاء الاصطناعي في هجمات الهندسة الاجتماعية، حيث يتم انتحال شخصيات المديرين التنفيذيين عبر رسائل بريد إلكتروني مخصصة بدقة، أو استنساخ الأصوات، أو حتى إنتاج مقاطع فيديو مزيفة باستخدام تقنيات التزييف العميق لخداع الموظفين ودفعهم إلى تفعيل الهجمات بأنفسهم.
وقال ميشائيل داوم، رئيس قسم مطالبات الأمن السيبراني في «أليانز كوميرشال»، إن معظم الهجمات الإلكترونية لا تزال تتطلب عنصرًا بشريًا، إذ يقوم موظف – دون قصد – بفتح الباب أمام الهجوم عبر النقر على رابط أو تنفيذ تعليمات مزيفة.
تفاوت المخاطر
وشملت الدراسة التي أجرتها «أليانز» خلال شهري أكتوبر ونوفمبر الماضيين 3338 مشاركًا من 79 دولة، من بينهم مسؤولون تنفيذيون ومستشارو مخاطر وخبراء تأمين ووسطاء وموظفون في قطاعات صناعية مختلفة. وأظهرت النتائج تباينًا في ترتيب مخاطر الذكاء الاصطناعي بين الدول، إذ حل في المرتبة الرابعة بألمانيا، والثانية في سويسرا، بينما تصدر القائمة في النمسا.
إلى جانب الذكاء الاصطناعي والجرائم الإلكترونية، احتل خطر انقطاع الأعمال المرتبة الثالثة ضمن أبرز التهديدات التي تواجه الشركات عالميًا. وتعد الهجمات الإلكترونية، لا سيما الابتزاز عبر الإنترنت، من العوامل الرئيسية لتعطل الأعمال، حيث يعمد القراصنة إلى تشفير أنظمة الشركات ووقفها عن العمل مقابل فدية مالية كبيرة.
بين الفرصة والتهديد
ورغم هذه المخاطر، ترى غالبية الشركات أن الذكاء الاصطناعي لا يزال يمثل فرصة استراتيجية مهمة، خاصة في مجال تطوير أنظمة الدفاع السيبراني الآلي القادرة على التصدي للهجمات الإلكترونية المتطورة. إلا أن تقرير «أليانز» يؤكد أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب أطر حوكمة صارمة، ورقابة بشرية فعالة، وتقييمًا دقيقًا للمخاطر، حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة دعم إلى مصدر تهديد وجودي للشركات.
المصدر: د ب أ







