مقالات

الرئيس رشاد العليمي: عدن ليست عقدة… وردّ الاعتبار للجمهورية يبدأ من صنعاء

د. علي العسلي

حين تعجز الخصومة عن مواجهة القرار، تنحدر إلى الوصف.
وحين تُهزم السياسة، يعلو الصراخ.
وحين تُستعاد الدولة، يُستهدف رأسها.

ليس مستغربًا أن تصدر أوصاف متعالية وفجّة بحق رئيس الجمهورية اليمنية، لكن اللافت أن تصدر بعد قرارات سيادية فاصلة، لا قبلها. فالرئيس الذي يُراد تقديمه بوصفه “بلا دولة” هو ذاته الذي استخدم كامل صلاحياته الدستورية، وفي لحظة فارقة، لإلغاء اتفاقية دفاع مشترك، وإخراج قوات أجنبية من الأراضي اليمنية خلال أربعٍ وعشرين ساعة، واستعادة مؤسسات ايرادية كانت مستغلة، وإعادة انتشار القوة الوطنية تحت راية الشرعية، لا الوصاية.

في الثلاثين من ديسمبر الماضي 2025، لم يكتب الرئيس بيانًا، بل كتب حدًّا سياديًا.
ألغى اتفاقية، أنهى وجودًا عسكريًا، سلّم المعسكرات لقوات وطنية، وأعلن حالة الطوارئ دفاعًا عن وحدة البلاد.
هكذا تتصرف الدول عندما تُستفز سيادتها، لا كما يتصرف الهواة في المنصات.

منذ تلك اللحظة، تغيّر الخطاب.
لم يعد الخلاف سياسيًا، بل أصبح ثأريًا.
لأن القرار لم يكن رمزيًا، بل مؤلمًا لمن اعتادوا إدارة الجغرافيا اليمنية من خارجها.

والرئيس الذي يُقال إنه “سلّم راية الشرعية”، هو ذاته الذي أسقط عضوية الذراع السياسي والعسكري الأبرز للإمارات داخل مجلس القيادة، وأحال عيدروس الزبيدي إلى النيابة العامة بتهم الخيانة العظمى، والتمرد المسلح، والإضرار بمركز الجمهورية، والاعتداء على الدستور.
أي رئيس “باع نفسه” يفعل ذلك؟
وأي “ضعف” هذا الذي يطيح بحليف مسلح من داخل أعلى سلطة في الدولة؟

الواقع أن الرئيس العليمي لم يسلّم الراية، بل سحبها ممن استعملها ضد الدولة.
ولم يفقد الشرعية، بل أعاد تعريفها:
شرعية دولة، لا شرعية فوضى.
شرعية دستور، لا شرعية سلاح.
شرعية قرار، لا شرعية تمويل.

أما عدن، فليست عقدته، ولا هاجسه، ولا مقياس وطنيته.
عدن مدينة دولة، لا ساحة مزاد.

وأعتقد أنه يرفض العودة إليها على قاعدة الانقسام، أو فوق جثث، أو كواجهة لتسوية هشة.
وأظن أنه اختار حسم التمرد فيها دون حرب شوارع، وإغلاق السجون الخارجة عن القانون دون تصفية أو انتقام، ومنع تكرار يناير الدموي الجديد.
واليوم، بالمناسبة، نحيي الذكرى الأربعين لتلك المجزرة المشهورة بسوئها، بينما كان آخرون يراهنون على الفوضى وإراقة الدماء.

من يقول إن الرئيس “مطرود من صنعاء” لا يفهم معنى الدولة.
صنعاء ليست فندقًا سياسيًا، بل عاصمة مختطفة.
والرؤساء لا يُطردون من عواصمهم، بل تُستعاد لهم؛ غير أن المؤسف أن بعض الأشقاء نكثوا بتعهداتهم، فانساق بعض كتّابهم إلى خطاب التشفي بدل منطق الشراكة والمسؤولية.
وهنا بالضبط يبدأ ردّ الاعتبار الحقيقي.

أما الادعاء بأن لا دولة أيدت “غزوه للجنوب”، فيكفي الرد عليه بسؤال واحد:
من الذي نقل حضرموت والمهرة، وهما خارج منطق الحرب طوال سنواتها، إلى مربع التمرد؟ ومن الذي بارك ذلك المسار ووفّر له الغطاء السياسي؟
ومن الذي اعترف بغير الشرعية؟
ومن الذي لا يزال يتعامل مع الرئيس رشاد العليمي بوصفه الممثل الشرعي الوحيد للمركز القانوني للجمهورية اليمنية؟

الهجوم عليه ليس لأنه فشل، بل لأنه نجح حيث فشل غيره.

لأنه قال لا حين كانت نعم مربحة.

لأنه أنهى مرحلة الوصاية.

لأنه فكك التمرد من الداخل.

ولأنه أعاد البوصلة إلى العدو الحقيقي.

من يظن أن الرئيس سيرضخ للضجيج، لا يفهم معنى القيادة في لحظة استعادة الدولة.

ومن يراهن على تشويه رجل اتخذ أخطر قرار سيادي منذ بدء الحرب، سيتعلم متأخرًا أن التاريخ لا يُكتب بالتغريدات، بل بالقرارات التي تغيّر موازين القوة.

وعندما تعود صنعاء قريبًا بإذن الله، سيحتفل الرئيس مع شعبه في عدن،
بانتصار مشروع الدولة الجامعة على كل المشاريع الصغيرة.

لا كغنيمة، بل كعاصمة منتصرة في وطنٍ استعاد جمهوريته؛

وذلك هو ردّ الاعتبار الحقيقي للجمهورية، وللرئيس، وللشعب اليمني.

زر الذهاب إلى الأعلى