الضغوط والإجراءات الحوثية لمنع هبوط طائرة اليمنية في مطار المخا.. القصة الكاملة

في تصعيد جديد يهدد جهود التهدئة الإنسانية في اليمن، منعت مليشيا الحوثي المصنفة دولياً في قوائم الإرهاب، يوم الأحد 1 فبراير/شباط 2026، وصول أول رحلة تجارية تاريخية للخطوط الجوية اليمنية إلى مطار المخا الدولي، الذي كان يستعد لتدشين عمله الرسمي.
الحادثة أثارت موجة واسعة من الإدانة واعتُبرت شكلاً من أشكال “القرصنة الجوية” التي تستهدف حق اليمنيين في التنقل الآمن وتقويض الجهود الإنسانية.
تفاصيل الواقعة
أظهرت بيانات مواقع تتبع الملاحة الجوية الدولية أن الطائرة القادمة من مطار جدة الدولي غيّرت مسارها عند اقترابها من الأجواء اليمنية لتعود أدراجها إلى جدة، في الوقت الذي كان مطار المخا يستعد لاستقبالها ضمن جدول تشغيل أسبوعي.
ووفق مصادر ملاحية، فإن الطاقم تلقى تهديدات مباشرة من الحوثيين، ما اضطره إلى العودة حفاظاً على سلامة الركاب والطائرة، في خطوة وُصفت بأنها سابقة خطرة تستهدف الطيران المدني وحق اليمنيين في التنقل الآمن.
المركزية الجوية
رغم الانقسام الجغرافي، لا يزال “مركز مراقبة المنطقة” في صنعاء هو الجهة المسؤولة تقنياً عن إدارة الأجواء اليمنية كاملة. ووفق البروتوكولات الدولية، فإن أي طائرة مدنية تدخل الأجواء اليمنية ملزمة بفتح اتصال مع برج صنعاء للحصول على إذن عبور وتحديد الارتفاعات الجوية. وفي حال غياب هذا التواصل، تُعتبر الرحلة “خارجة عن البروتوكول”، ما يرفع مخاطر السلامة ويضع الطاقم أمام مسؤوليات قانونية جسيمة.
بروتوكول خطة الطيران
يتطلب الهبوط في مطار المخا تقديم خطة طيران مسبقة ومعتمدة. وتشير مصادر ملاحية إلى أن جماعة الحوثي تمارس ضغوطاً مباشرة على إدارة شركة اليمنية لعدم إدراج المطار ضمن وجهاتها أو الامتناع عن تقديم خطط طيران له، ملوّحة بعقوبات إدارية ومالية، مستغلة بقاء الحسابات الرئيسية للشركة في صنعاء.
المنع الإجرائي بدل الصواريخ
المنع لا يتم دائماً عبر التهديد العسكري المباشر، بل من خلال ما يُعرف بـ”المنع الإجرائي”. فعندما ترفض هيئة الطيران في صنعاء الاعتراف برحلة متجهة إلى المخا، تقوم بإبلاغ المنظمات الدولية بأن الرحلة “غير مصرّح بها”، الأمر الذي يدفع شركات التأمين الدولية إلى سحب تغطيتها، ويُلزم قائد الطائرة – التزاماً بقواعد السلامة – بتغيير مساره أو العودة.
الضغط عبر السيادة الورقية
وفق أنظمة منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، فإن الهيئة المعترف بها هي المخوّلة بمنح أكواد المطارات وتصاريح الهبوط. الحوثيون يستغلون سيطرتهم على وثائق الهيئة في صنعاء لعرقلة اعتماد مطار المخا دولياً، ما يجعل أي رحلة إليه قانونياً “في منطقة رمادية” عالية المخاطر.
ابتزاز الناقل الوطني
تُعد شركة الخطوط الجوية اليمنية الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ تخشى على طائراتها وأصولها وأرصدتها المحتجزة في صنعاء. وبحسب المصادر، فإن قرارات المنع تصدر عبر أوامر داخلية من إدارات واقعة تحت الضغط، ما يضطر الطاقم للامتثال حتى لو كانت الطائرة فوق مدرج المخا.
خلفية وسوابق
سبق للجماعة أن انتهجت سياسة ممنهجة لتسييس الأجواء، تمثلت في احتجاز طائرات اليمنية في مطار صنعاء وتجميد أرصدة الشركة التي تتجاوز 100 مليون دولار. وتشير تقارير إلى أن الحوثيين حصلوا على ما بين 250 إلى 437 مليون دولار من رسوم الملاحة الجوية بين 2016 و2021. كما استهدفت الجماعة مطار عدن بالصواريخ لحظة وصول حكومة معين عبد الملك، ومنعت مؤخراً الطيران الأممي من الوصول إلى صنعاء ومأرب. ويرى مراقبون أن استهداف مطار المخا يعكس خشية الحوثيين من فقدان ورقة ضغط جديدة، إذ يمثل المطار شريان حياة مستقلاً خارج سيطرتهم وبديلاً عملياً لتخفيف عزلة محافظة تعز.
الموقف الحكومي
وزارة النقل وهيئة الطيران المدني في العاصمة المؤقتة عدن أدانتا بشدة ما وصفته بـ”تصعيد خطير”، معتبرتين أن المنع انتهاك صارخ لقوانين الطيران المدني الدولية وحرية التنقل. البيان حمّل الحوثيين المسؤولية الكاملة، ودعا منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والمنظمات الحقوقية إلى اتخاذ إجراءات قانونية لحماية قطاع الطيران المدني في اليمن. كما أكدت الحكومة التزامها بمواصلة تشغيل المطارات وتأمين خدمات النقل الجوي بعيداً عن أي ممارسات تعسفية.
خلاصة
ما جرى في مطار المخا لا يعكس سيطرة ميدانية بقدر ما يكشف عن استخدام ممنهج للأدوات الإجرائية والقانونية الدولية لفرض حصار جوي غير معلن.
هذه الممارسات تقوّض سلامة الطيران المدني، وتحوّل الأجواء اليمنية إلى ساحة ابتزاز سياسي، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية مباشرة لحماية حق المدنيين في التنقل الآمن وضمان عدم تسييس قطاع الطيران.






