العراق أولًا… فهل يُترك اليمن ليكون الخطأ الثاني؟

بقلم “د. علي العسلي

حين سقطت بغداد عام 2003 تحت جنازير الدبابات الأمريكية، لم يكن الحدث مجرد تغيير نظام سياسي، بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل ميزان القوة في المنطقة بأكملها.

العراق لم يكن بلدًا عاديًا؛ بل كان لعقود حارس البوابة الشرقية للخليج وأحد أعمدة التوازن العربي بثقله السكاني والعسكري والجغرافي. ومع سقوطه فُتح فراغ استراتيجي كبير ما تزال المنطقة تدفع ثمنه حتى اليوم.

لكن الأخطر من سقوط الدولة العراقية كان ما جاء بعده. فقد وُلدت طبقة سياسية ومسلحة جديدة تحت مظلة الاحتلال، وتكوّنت تشكيلات ميليشياوية تدين بالولاء لطهران أكثر مما تدين للدولة العراقية نفسها. هذه التشكيلات – التي دخلت المشهد على ظهر الدبابات الأمريكية – يمكن وصفها بأنها “شيعة دبابات بريمر”، نسبة للحاكم المدني الأمريكي بول بريمر الذي أشرف على إعادة تشكيل النظام بعد الاحتلال.

مع مرور الوقت لم تبقَ هذه الميليشيات داخل العراق، بل تحولت إلى أدوات نفوذ إقليمي، بل إن بعض هذه التشكيلات يتبنى اليوم صراحة عمليات عسكرية تستهدف مصالح الخليج ضمن المعركة الجارية.

العراق الذي كان خط الدفاع الاستراتيجي عن المشرق العربي، أصبح – في بعض جوانب المشهد – منصة ضغط على محيطه الخليجي، وهذا التحول لم يحدث في فراغ، بل في ظل صمت عربي طويل وأحيانًا قبول ضمني بوقائع فرضتها القوة العسكرية الأجنبية.

واليمن اليوم يقف أمام مفترق مشابه. فهو ليس مجرد ساحة نزاع داخلي، بل عقدة استراتيجية تطل على باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية. واستقراره يعني استقرار الخليج والعالم، أما تركه للفوضى الميليشياوية فيفتح الباب لفوضى استراتيجية على خاصرته الجنوبية.

حين تشكل التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن كان ذلك إدراكًا مبكرًا لهذه الحقيقة، لكن تراجع الزخم والتحالفات الضعيفة أتاح للحوثيين – الذين وصفهم بعض المسؤولين الإيرانيين بأنهم “شيعة الشوارع” – التحرك بثقة أكبر مستفيدين من الانقسام العربي والخليجي وغياب الحسم في الموقفين الخليجي والعربي تجاه اليمن.

الدرس واضح لمن يريد قراءة التاريخ القريب: حين تُترك الساحات الاستراتيجية للفراغ، لا تبقى فارغة طويلًا.

ما حدث في العراق نموذج صارخ: الميليشيات التي نشأت تحت الاحتلال تحولت لاحقًا إلى قوى عسكرية وسياسية تؤثر في القرار العراقي وأمن المنطقة بأكملها، واليمن اليوم يواجه خطر أن يصبح الخطأ الاستراتيجي الثاني إذا تُرك دون حسم.

أمن الخليج الحقيقي لا يقوم على صفقات السلاح وحدها، ولا على تحالفات أمريكية متقلبة ومنحازة للكيان الإسرائيلي المعتدي، بل على منظومة ردع عربي حقيقية، وتنويع الأسلحة، واستقرار إقليمي يبدأ من الجوار المباشر. وفي مقدمة هذا الجوار يأتي اليمن.

إذا استقر اليمن، يمكن أن يكون عمقًا استراتيجيًا للخليج، يضيف إلى أمنه واستقراره. أما إذا تُرك للفوضى أو للهيمنة المسلحة، فسيصبح مصدر ضغط دائم على المنطقة بأكملها.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم في العواصم الخليجية: هل يُستوعب درس العراق قبل أن يتكرر في اليمن؟ أم أن المنطقة ستكتشف بعد سنوات أن الخطأ الاستراتيجي الثاني كان أعظم كلفة من الأول؟

Exit mobile version