“العيد بطعم الغياب”.. كيف تغيّرت ذاكرة اليمنيين منذ الحرب؟

خاص

لم يكن العيد في اليمن مجرد مناسبة دينية عابرة، بل كان مساحة واسعة للفرح الجماعي، حيث تتقاطع طرق الأقارب في الأزقة القديمة، وتمتلئ البيوت بالزوار، وتتحول القرى والمدن إلى مساحات مفتوحة للتهاني واللقاءات. لكن بعد سنوات من الحرب، لم تعد هذه الصورة كما كانت، إذ تغيّرت ملامح العيد في ذاكرة اليمنيين، وتحوّل من موسم اجتماعي نابض بالحياة إلى مناسبة مشبعة بالغياب والخسارة والحنين.

في كثير من البيوت اليمنية اليوم، يأتي العيد ومعه مقاعد فارغة، وطرق مقطوعة، ووجوه غابت منذ سنوات، تاركة خلفها ذاكرة ثقيلة تحضر بقوة مع كل صباح عيد.

أسماء غائبة

في أحد أحياء مدينة الحديدة، تجلس أم ياسر أمام باب منزلها منذ الصباح الباكر في أول أيام العيد، كما اعتادت كل عام. لكن منذ سبع سنوات، لم يعد ابنها الأكبر ياسر يعود لزيارتها كما كان يفعل دائمًا.

تقول لـ”الوعل اليمني” بصوت متعب:”كان أول من يدخل البيت صباح العيد، يحمل العيديات لإخوته ويضحك معهم. آخر مرة رأيته كانت قبل أن يذهب إلى الجبهة، ومنذ ذلك الوقت لا نعرف عنه شيئًا”.

تضيف وهي تنظر إلى صورته المعلقة على الجدار:”العيد لم يعد عيدًا منذ غيابه، أصبح يومًا طويلًا من الانتظار”.

وتعيش آلاف الأمهات في اليمن الحالة ذاتها، حيث تحوّل الغياب الطويل للأبناء إلى جزء ثابت من طقوس العيد.

العيد الذي توقف

في مدينة تعز، لا تزال ذكرى آخر عيد جمع عائلة عبدالحكيم العدني حاضرة في ذاكرة أسرته وكأنها حدثت أمس.

يقول شقيقه الأصغر سامر لـ”الوعل اليمني”:”كان أخي يصرّ كل عيد على جمعنا جميعًا في بيت والدي، حتى من يسكن خارج المدينة. بعد مقتله تغير كل شيء”.يضيف:”لم تعد العائلة تجتمع كما كانت، كل واحد صار يحتفل بطريقته، وكأن العيد انقسم معنا”.يشير سامر إلى أن غياب شخص واحد فقط كان كافيًا لتغيير شكل العيد بالكامل داخل الأسرة.

صور القديمة

في إحدى مناطق النزوح بمحافظة مأرب، تحتفظ الطفلة رهف (9 سنوات) بصورة قديمة التقطت لها قبل الحرب وهي ترتدي فستان العيد في قريتها بمحافظة الجوف.تقول لـ”الوعل اليمني”:”أمي تقول إننا كنا نذهب في العيد لزيارة جدتي وخالاتي، لكني لا أتذكر ذلك”.منذ سنوات، لم تعد رهف تعرف العيد إلا داخل مخيم النزوح، حيث تمر الأيام بهدوء ثقيل يشبه بقية أيام العام.

تقول والدتها:”أصعب شيء أن الأطفال فقدوا ذاكرة العيد الحقيقي، أصبح العيد بالنسبة لهم مجرد ملابس إن توفرت”.

ويعيش ملايين النازحين في اليمن أوضاعًا مشابهة، حيث فقدت العائلات ارتباطها بالمكان الذي كانت تبدأ فيه طقوس العيد.

مكالمات قصيرة

في صنعاء، يحتفظ الخمسيني نبيل السنيدار بدفتر صغير يسجل فيه أرقام هواتف أقاربه المنتشرين في محافظات مختلفة.يقول لـ”الوعل اليمني”:”كنت أزور أكثر من عشرة بيوت في اليوم الأول من العيد، اليوم أقضي الوقت في الاتصال بهم فقط”.يوضح أن الطرق المقطوعة وتكاليف السفر المرتفعة جعلت اللقاءات العائلية شبه مستحيلة.

ويضيف:”العيد كان يعني الحركة والزيارات، اليوم أصبح يعني الهاتف”.

ضجيج العيد

في إحدى قرى محافظة إب، يتذكر الستيني عبدالناصر الحالمي كيف كانت الساحات تمتلئ بالأطفال صباح العيد.

يقول لـ”الوعل اليمني”:”كنا نسمع أصوات الأطفال من كل اتجاه، الآن كثير من البيوت مغلقة لأن أصحابها نزحوا أو غادروا البلاد”.ويشير إلى أن الهجرة والنزوح غيّرا شكل القرية بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة.

ويضيف:”العيد في القرية كان يبدو كعرس جماعي، اليوم أصبح هادئًا بشكل مؤلم”.

أصواتًا لا تأتي

في أحد أحياء مدينة ذمار، تضع أم سليم هاتفها بجانبها طوال يوم العيد، على أمل أن تتلقى اتصالًا من ابنها المعتقل منذ سنوات.تقول لـ”الوعل اليمني”:”في كل عيد أنتظر صوته، حتى لو دقيقة واحدة فقط”.تضيف:
“أحضّر ملابسه كما كنت أفعل دائمًا، رغم أنه غير موجود”.وتحول انتظار الاتصال إلى طقس ثابت في حياة كثير من أسر المعتقلين والمخفيين قسرًا.

قبل الحرب

يقول الباحث الاجتماعي الدكتور فؤاد المقرمي لـ”الوعل اليمني” إن العيد في اليمن كان يمثل مناسبة اجتماعية كبرى تعيد بناء العلاقات داخل المجتمع كل عام.ويوضح أن الزيارات العائلية والألعاب الشعبية والتجمعات الجماعية كانت تشكل جزءًا أساسيًا من هوية العيد لدى اليمنيين.

ويضيف:”الحرب لم تؤثر فقط على الاقتصاد والأمن، بل غيرت أيضًا ذاكرة الناس الجمعية المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية”.

اختبارًا للصبر

في مدينة عدن، تقول أمينة الشماسي، وهي معلمة فقدت زوجها قبل أربع سنوات، إن العيد أصبح أصعب أيام السنة بالنسبة لها.تقول لـ”الوعل اليمني”:”كنت أنتظر العيد لأن زوجي كان يصرّ على جمع العائلة كلها، اليوم أحاول أن أخفي حزني حتى لا يشعر أطفالي بالفرق”.وتضيف:”أصعب لحظة في العيد عندما يسألني ابني لماذا لم يعد والده معنا”.

ورغم كل ما تغير، لا يزال اليمنيون يحاولون الحفاظ على ما تبقى من طقوس العيد.

في نهاية حديثها، تقول أم ياسر:”نلبس ملابس العيد ونزور من بقي من الأقارب، نحاول أن نحافظ على العيد حتى لا يضيع من حياة أطفالنا”.لكن بين ذكريات الماضي وواقع الحاضر، يبقى العيد في اليمن شاهدًا حيًا على سنوات طويلة من الغياب، حيث لم تعد المناسبة كما كانت، بل تحولت إلى مرآة تعكس حجم الخسارة التي عاشها اليمنيون خلال سنوات الحرب، وذاكرة مثقلة بأسماء لم تعد تحضر إلا في الصور والذكريات.

Exit mobile version