المجالس الرمضانية في مريس.. فضاءات للقرآن وتعزيز للتماسك الاجتماعي

خاص/ الوعل اليمني
مع حلول شهر رمضان من كل عام، تتغير ملامح الحياة الاجتماعية في منطقة مريس بمديرية محافظة الضالع، حيث تنشط المجالس الرمضانية في القرى، لتتحول ليالي الشهر الفضيل إلى فضاءات عامرة بتلاوة القرآن والذكر والأنشطة الدينية والاجتماعية. وفي هذه المجالس يجتمع الأهالي بعد صلاة التراويح في أجواء روحانية تتداخل فيها حلقات تحفيظ القرآن والمسابقات الثقافية والدينية مع الأمسيات الاجتماعية والإنشادية، في صورة تعكس تماسك المجتمع وحيوية تقاليده الرمضانية.
وتشهد قرى منطقة مريس خلال هذا الشهر إقامة المجالس الرمضانية التي باتت تشكل إحدى أبرز مظاهر الحياة الاجتماعية والدينية في المنطقة، حيث يتوافد إليها الشباب والأطفال وكبار السن للمشاركة في برامج متنوعة تتراوح بين حلقات التحفيظ والمسابقات في السيرة والحديث والفقه، إضافة إلى الفقرات الإنشادية والأمسيات الثقافية التي تضفي على المجالس طابعًا تفاعليًا واسعًا.
تكريم ستين طالب
وفي إطار هذه الأنشطة، شهدت قرية الخريبة في مريس مؤخرًا حفل تكريم لنحو ستين طالبًا من طلاب حلقات تحفيظ القرآن الكريم والعلوم الشرعية، في فعالية حضرها عدد من القيادات العسكرية والشخصيات الاجتماعية في المنطقة.
وتقدم الحضور أركان حرب المنطقة العسكرية الثامنة العميد الركن عادل صالح الشيبة إلى جانب عدد من قيادات الألوية والشخصيات الاجتماعية والسياسية، حيث أكد المشاركون في كلماتهم أهمية دعم مثل هذه الأنشطة التي تسهم في تشجيع حفظة القرآن وتعزيز القيم الدينية بين الشباب.
وفي المساء أعقب حفل التكريم أمسية رمضانية أقيمت في منزل الشيخ عبدالفتاح آل صلاح، حضرها عدد من القيادات والوجهاء والشخصيات الاجتماعية، وتخللتها فقرات شعرية وأدبية وإنشادية عكست الأجواء الرمضانية التي تتميز بها المجالس في المنطقة.

ويقول صادق محمد، أحد سكان قرية القدام في مريس، إن المجالس الرمضانية أصبحت ظاهرة واسعة في القرى خلال شهر رمضان، مشيرًا إلى أن قريته وحدها تضم هذا العام نحو 11 مجلسًا رمضانيًا تقام فيها المسابقات الدينية وحلقات تحفيظ القرآن والأنشطة الثقافية المختلفة.
وأضاف في حديثه لـ”الوعل” أن هذه المجالس تمثل مساحة مهمة للتواصل الاجتماعي بين الأهالي، لافتًا إلى أن التفاعل الذي تشهده المجالس خلال رمضان لا يتكرر في بقية أيام العام.
ويقول إن “أجمل ما في رمضان هو هذا التفاعل الاجتماعي الذي يجمع الناس في مكان واحد حول القرآن والذكر، إلى جانب المسابقات والوعظ التي تعزز من القيم الأخلاقية وترفع مستوى الوعي داخل المجتمع”.
ويشير إلى أن هذه الأنشطة تسهم أيضًا في ترسيخ قيم التسامح والتعايش بين أبناء المجتمع، حيث تمنح المجالس مساحة للحوار والتواصل الاجتماعي بعيدًا عن الخلافات، ما يجعلها – بحسب وصفه – مدرسة اجتماعية تعزز من الوعي والسلوك الإيجابي داخل المجتمع.
مجالس رمضان في القرى
وفي السياق ذاته، يرى الأستاذ علي مصلح أن القرى في محافظة الضالع، خصوصًا في المناطق المحررة، تكاد لا تخلو اليوم من مجلس رمضاني يجتمع فيه الأهالي لإقامة الأنشطة الدينية والاجتماعية.
ويضيف أن المجالس الرمضانية شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا، حيث أصبحت تحظى بدعم عدد من التجار وفاعلي الخير الذين يتكفلون برعاية المسابقات والأنشطة المختلفة.
ويشير مصلح إلى أن هذا الدعم المجتمعي بات يظهر من خلال تعليق لوحات بأسماء الرعاة في المجالس أو خلال الأمسيات والمسابقات الرمضانية، الأمر الذي أسهم في توسيع نطاق هذه الأنشطة وزيادة التفاعل المجتمعي حولها.
كما يلفت إلى أن المسؤولين المحليين والعسكريين في المناطق المحررة يحرصون على حضور عدد من هذه المجالس وتكريم حفظة القرآن والطلاب المشاركين في المسابقات، في خطوة تشجيعية تعزز استمرار هذه الفعاليات وتدعم حضورها الاجتماعي دون التدخل في إدارتها أو توجيهها.
ويرى متابعون أن المجالس الرمضانية في مريس أصبحت تمثل اليوم أحد أبرز مظاهر الحياة الاجتماعية في المنطقة، إذ تحولت إلى منصات تجمع بين الجانب الروحي والاجتماعي والثقافي، حيث يجتمع الناس حول القرآن والأنشطة الدينية في أجواء يسودها التفاعل والتعاون بين أبناء المجتمع.
تراجع المجالس في مناطق الحوثي
ويبرز هذا النشاط بشكل لافت في المناطق المحررة بمحافظة الضالع، في وقت يشير فيه بعض السكان المحليين الواقعين تحت سيطرة الحوثي إلى تراجع حيوية المجالس الرمضانية في مناطق أخرى خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي.
وبحسب سكان، فإن التدخلات المتكررة من الجماعة وإرسال مشرفين يحاضرون بخطابات ذات طابع سياسي أو تعبوي إيدلوجي داخل بعض المجالس مما أدى إلى تغير طبيعة هذه اللقاءات، وهو ما تسبب في فتور المشاركة الشعبية في بعض المناطق التي كانت تشهد في السابق مجالس رمضانية نشطة ومفتوحة للمجتمع.
وفي المقابل، يلاحظ في المناطق المحررة أن المجالس الرمضانية ما زالت تحافظ على طابعها الاجتماعي والديني التقليدي، حيث تدار غالبًا بمبادرات مجتمعية يشرف عليها الأهالي أو الشخصيات الاجتماعية في القرى، مع دعم من فاعلي الخير وبعض الجهات الرسمية التي تكتفي بدور التشجيع والحضور الرمزي.
ومع استمرار ليالي رمضان، تتواصل في مريس فعاليات تكريم حفظة القرآن وتنظيم المسابقات الدينية والأنشطة الثقافية في العديد من القرى، في مشهد يعكس حيوية المجتمع المحلي وحرصه على إحياء تقاليده الرمضانية وتعزيز روح التآلف والتكافل بين أبنائه.
وتبقى هذه المجالس بالنسبة للكثير من الأهالي مساحة تجمع بين العبادة والتواصل الاجتماعي، حيث يلتقي الناس حول القرآن والذكر والأنشطة الثقافية، في صورة تعكس جانبًا من الحياة الرمضانية التي ما تزال تحتفظ بحيويتها في القرى والمجتمعات المحلية.






