
غزة- الوعل اليمني
يجدد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان تحذيراته من خطورة المشروع الإسرائيلي–الأميركي المعروف باسم «المدينة الخضراء في رفح»، والذي يُطرح بوصفه حلًا إنسانيًا لإيواء سكان قطاع غزة المهجّرين، بينما ينطوي –بحسب المرصد– على أبعاد سياسية وأمنية تهدف إلى فرض واقع قسري جديد يقوم على إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا في القطاع.
ويشير المرصد في بيانه الذي نشره أمس، إلى أن هذا المشروع لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للحرب المستمرة على غزة، إذ يُقدَّم كاستجابة لأزمة إنسانية نتجت أصلًا عن تدمير واسع النطاق وتهجير جماعي، ليصبح في جوهره أداة لإدارة نتائج الكارثة بدل معالجتها، وبما يرسّخ السيطرة العسكرية الإسرائيلية طويلة الأمد.
وفق المعطيات التي أوردها المرصد، تقوم الخطة على إنشاء تجمعات سكنية من الكرفانات في منطقة رفح، داخل نطاق يخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة، مع تهيئة الأرض وإزالة الأنقاض بواسطة الجيش الإسرائيلي وبمشاركة مقاولين. وتُسوَّق هذه التجمعات باعتبارها «مدنًا خضراء»، لكنها في الواقع، بحسب التوصيف الحقوقي، معسكرات مكتظة تُقيَّد فيها حركة السكان وتُربط حياتهم اليومية بإجراءات فحص أمني صارمة.
ويرى المرصد أن أخطر ما في الخطة هو اعتمادها على تقسيم قطاع غزة إلى مناطق ملوّنة ذات دلالات أمنية وعسكرية، تشمل منطقة حمراء وأخرى خضراء يفصل بينهما خط أصفر يُعامل كحدّ ميداني عسكري. ووفق المعلومات المتوفرة، جرى تحريك هذا الخط فعليًا على الأرض، متقدمًا إلى داخل القطاع، ما أدى إلى توسيع مساحة الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية المباشرة لتصل إلى نحو 60% من مساحة غزة.
وتحت هذا النظام، تُفرض قيود جسيمة على حرية حركة السكان، وتُربط إمكانية الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية بالموافقة على الانتقال إلى مناطق محددة داخل ما يُسمى «المنطقة الخضراء»، الأمر الذي ينفي –بحسب المرصد– أي طابع اختياري لهذا الانتقال، ويضعه في إطار التهجير القسري المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني.
كما يحذّر المرصد من أن المناطق المخصّصة لإقامة «المدينة الخضراء» تشهد نشاط ميليشيات مسلحة شكّلتها إسرائيل، ثبت تورطها في جرائم قتل وترويع وسرقة بحق المدنيين الفلسطينيين، ما يثير تساؤلات جدية حول البيئة الأمنية التي يُراد فرضها على السكان، وحول دور هذه المجموعات في إدارة الواقع الجديد.
وتكشف تفاصيل الخطة، بحسب المرصد، عن توجه منهجي لإعادة توزيع السكان على أساس أمني وسياسي، عبر إخضاعهم لإجراءات تدقيق وفحص تضع معاييرها جهات إسرائيلية وأميركية، بما يسمح باستبعاد فئات واسعة تُصنَّف على أنها «غير مستوفية للشروط»، وتركها في مناطق أكثر خطورة وأشد عرضة للحصار.
ولا تقتصر آثار هذا المشروع على الجانب الإنساني، بل تمتد إلى البعد السياسي، إذ يؤدي إلى تفتيت وحدة الإقليم وتقويض حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، عبر فرض نظام تمييزي يحرم الأفراد من حرية اختيار مكان الإقامة، ويقيّد حقهم في العمل والتنقل وتكوين حياة أسرية مستقرة، ويجعل الوصول إلى التعليم والخدمات الأساسية خاضعًا لاعتبارات أمنية تعسفية.
وينتقد المرصد الأورومتوسطي الدور الأميركي في بلورة هذه الخطة، معتبرًا أن الولايات المتحدة لا تتحرك كوسيط أو داعم إنساني، بل كشريك فاعل في تصميم ترتيبات ميدانية–سياسية تُعيد إنتاج الاحتلال والضم الفعلي للأراضي تحت غطاء إنساني وأمني.
وفي ضوء ذلك، يدعو المرصد المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، إلى رفض أي ترتيبات تُبقي على واقع السيطرة الإسرائيلية أو تعيد صياغته في شكل «معازل» أو «مدن انتقالية»، والامتناع عن تقديم أي دعم أو اعتراف بمشاريع تنطوي على تهجير قسري أو ضم فعلي للأراضي.
كما يشدد على ضرورة رفع الحصار عن قطاع غزة فورًا، وفتح المعابر أمام المساعدات ومواد إعادة الإعمار، وضمان حق الفلسطينيين في إدارة شؤونهم بحرية، ودعم مسارات المساءلة الدولية عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة، بما يضمن عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب.
ويخلص المرصد إلى أن مشروع «المدينة الخضراء في رفح» لا يمثل حلًا إنسانيًا، بل يشكل حلقة جديدة في سياسة فرض الوقائع بالقوة، وإعادة تشكيل غزة كفضاء محاصر ومجزأ، في تعارض صارخ مع قواعد القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني الأساسية.






