
تقرير خاص
في أحد أحياء صنعاء القديمة، تجلس أم يمنية أمام باب منزلها تنتظر عودة طفلها من مركز صيفي لم يكن الذهاب إليه خياراً، بل استجابة لضغطٍ ثقيلٍ فرضته ظروف الحرب وسلطة الأمر الواقع. تقول الأم، التي فضّلت الاكتفاء باسم “أم سليم”، إن ابنها، البالغ من العمر 12 عاماً، لم يعد كما كان. قبل أسابيع، كان طفلاً منشغلاً بدروسه وألعابه وأحلامه الصغيرة، أما اليوم، فقد عاد يحمل لغة مختلفة، وأفكاراً أكبر من عمره، وحديثاً متكرراً عن “القتال” و”الشهادة” “المعركة”.
“ابني تغيّر… لم يعد ذلك الطفل الذي أعرفه”، تقول الأم بصوتٍ متكسر.
هذه القصة ليست حالة فردية، بل صورة مصغرة لمشهد واسع يتكرر في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تحوّلت المراكز الصيفية من فضاءات تعليمية وترفيهية إلى أدوات تعبئة فكرية وإعادة تشكيل وعي الأطفال، في وقت يشهد فيه التعليم الرسمي انهياراً غير مسبوق.
تعليم ينهار
خلال السنوات الأخيرة، تعرّض قطاع التعليم في اليمن لضربات قاسية، لكن في مناطق سيطرة الحوثيين، يرى تربويون أن الأزمة تجاوزت حدود الحرب، لتتحول إلى سياسة منظمة لإضعاف التعليم النظامي وصناعة بدائل أيديولوجية موازية.
وفقاً لأحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، الصادرة في تقريرها الإنساني لعام 2025، فإن أكثر من 4.5 مليون طفل يمني باتوا خارج المدرسة أو معرضين لخطر الانقطاع عن التعليم، نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي.
كما أكد تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن آلاف المدارس خرجت عن الخدمة، سواء بسبب الدمار أو الاستخدامات غير التعليمية. لكن التربويين يرون أن المشكلة لا تقف عند حدود انهيار البنية التعليمية، بل تمتد إلى استبدال المدرسة بمسارات أخرى. يقول التربوي اليمني خالد الوريثي، في حديثه لموقع “الوعل اليمني”:
“حين تضعف المدرسة، يصبح الطريق مفتوحاً أمام المراكز الصيفية لتملأ الفراغ، لكنها لا تملؤه بالتعليم، بل بالتعبئة”.
استقطاب مبكر
في محافظة ذمار، يروي الطفل “عبد الله” (اسم مستعار)، 14 عاماً، أنه أُجبر على الالتحاق بأحد المراكز الصيفية.
يقول: “قالوا لوالدي إن غيابي سيُفهم بطريقة خاطئة”. والده يؤكد أن الرفض لم يكن خياراً. “الضغوط كانت واضحة… حضور الأطفال صار واجباً غير معلن”.
بحسب منظمة “سام للحقوق والحريات”، فإن تقاريرها الحديثة وثّقت حالات ضغط اجتماعي ومناطقي على الأسر لدفع أطفالها للالتحاق بالمراكز الصيفية، تحت ذرائع تعليمية أو ثقافية. لكن الواقع، وفق حقوقيين، مختلف تماماً.
تقول الباحثة الحقوقية ابتسام عبد القوي لـموقع “الوعل اليمني”: هذه المراكز لم تعد مجرد أنشطة موسمية، بل منصات استقطاب فكري منظم تستهدف إعادة تشكيل وعي الأطفال وربطهم بمشروع الحرب”.
المناهج البديلة
لا يقتصر الأمر على المراكز الصيفية، بل يمتد إلى المنهج الدراسي نفسه. خلال السنوات الأخيرة، وثّقت منظمات دولية، بينها “هيومن رايتس ووتش”، تعديلات واسعة في المناهج الدراسية بمناطق سيطرة الحوثيين، تضمنت مضامين تعبئة سياسية ودينية مرتبطة بالصراع. الأكاديمي الدكتور عبد السلام هائل يرى أن هذا التحول يمثل خطراً بنيوياً.
يقول لـموقع “الوعل اليمني”: حين يتحول الكتاب المدرسي من وسيلة تعليم إلى وسيلة تعبئة، فإننا أمام أزمة هوية معرفية خطيرة”. ويضيف: “التعليم لم يعد ينتج عقلاً ناقداً، بل عقلاً موجهاً”.
أطفال يتغيرون
في صنعاء، تجلس الطفلة “ريم”، ذات الثلاثة عشر عاماً، صامتة بعد أسابيع من التحاقها بمركز صيفي. والدتها تقول إن ابنتها أصبحت مختلفة. “صارت تتحدث عن الحرب أكثر من المدرسة”. تتوقف الأم قليلاً، ثم تضيف: “أشعر أنني فقدت شيئاً من ابنتي”.
بحسب منظمة “إنقاذ الطفولة”، فإن الأطفال في بيئات النزاع أكثر عرضة للتأثر بخطابات العنف، خصوصاً حين تُقدّم لهم في سياق ديني أو اجتماعي.
التحذيرات من انهيار التعليم لم تعد تقتصر على المؤسسات الدولية. الأكاديمي في جامعة عمران، ملفي القميش، حذّر مؤخراً من انهيار مؤسسي شامل في قطاع التعليم بمناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الجامعات والمدارس تعيش حالة تآكل ممنهج.وقال القميش إن الجامعات تحولت إلى مؤسسات مشلولة، بعد سحب موازناتها التشغيلية ومصادرة مواردها، فيما أصبح الكتاب المدرسي سلعة تباع في السوق السوداء. كما انتقد فتح برامج جامعية دون بنية أكاديمية حقيقية، محذراً من تخريج كوادر غير مؤهلة. يرى مراقبون أن هذا التدمير يخدم توسيع نفوذ المراكز الصيفية كبديل مباشر للمدرسة.
جيل مهدد
الخبير التربوي محمود الصبري يحذر من النتائج بعيدة المدى. يقول لموقع “الوعل اليمني”: حين يتربى الطفل على خطاب الحرب قبل التعليم، فإن المجتمع سيدفع الثمن لعقود”. ويضيف: “المشكلة ليست في حاضر هؤلاء الأطفال فقط، بل في المستقبل الذي سيصنعونه”. هذا الجيل، وفق الصبري، قد يعاني من ضعف التفكير النقدي، وتراجع المهارات الأساسية، وزيادة الميل للعنف والانغلاق.
فريق الخبراء الأممي المعني باليمن وثّق في تقارير سابقة لمجلس الأمن أن الأطفال في اليمن تعرضوا للاستقطاب والتجنيد بطرق متعددة، بعضها يبدأ عبر أنشطة فكرية وثقافية.
كما أكدت تقارير “مواطنة لحقوق الإنسان” و”المركز الأمريكي للعدالة” وجود مخاوف جدية من توظيف الأنشطة التعليمية في الاستقطاب الأيديولوجي. وتشير بيانات أممية إلى أن آلاف الأطفال في اليمن جرى تجنيدهم خلال سنوات الحرب من مختلف الأطراف، وسط استمرار المخاطر المرتبطة بالاستغلال المبكر.
تقول “أم عبد الله”، وهي أم لثلاثة أطفال في محافظة عمران: “كنت أخاف عليهم من الجوع، الآن أخاف عليهم من الأفكار”. تضيف: “الجوع قد يُحتمل، لكن ضياع العقل أصعب”. هذه المخاوف تتكرر في عشرات الأسر، التي تجد نفسها بين ضغط الواقع الاقتصادي وضغط السلطة المحلية.
مستقبل مؤجل
يقول الباحث الاجتماعي عادل عبد الحليم ” إن الحرب في اليمن لم تعد عسكرية فقط. “المعركة الحقيقية اليوم على وعي الأطفال”.ويضيف:”من يسيطر على عقل الطفل، يسيطر على شكل المجتمع بعد عشرين عاماً”. ويرى أن ما يحدث هو إعادة هندسة اجتماعية طويلة المدى.
مع استمرار الحرب، وانهيار التعليم، واتساع نفوذ المراكز الصيفية، تبدو الطفولة اليمنية أمام مفترق خطير. المدرسة التي كانت تصنع الحلم، أصبحت عاجزة عن أداء دورها. والمراكز التي يفترض أن تكون مساحة نشاط موسمي، تحولت إلى مسار بديل يعيد تشكيل العقول الصغيرة. في نهاية اليوم، يعود الطفل “عبد الله” إلى منزله، يحمل كتيباً صغيراً وشعارات جديدة.
تحدّق فيه أمه بصمت. لم يعد الخوف من الحرب وحدها، بل من أثرها العميق داخل روح طفلها. في اليمن، لم تعد الحرب تسرق البيوت فقط، بل تسرق المعنى. وحين يُسرق التعليم، لا تضيع سنة دراسية، بل يضيع مستقبل وطن.فالطفل الذي كان ينبغي أن يحمل كتاباً إلى المدرسة، صار يحمل فكرة حرب. وفي بلدٍ أنهكته البنادق، قد تكون الفكرة أخطر من الرصاصة.






