خاص
لم يكن الإفراج نهاية الحكاية.كان مجرد انتقال من زنزانة ضيقة إلى سجن أوسع اسمه الواقع ,في اليمن، خرج مئات المعتقلين من سجون جماعة الحوثي وجماعات مسلحة أخرى خلال السنوات الماضية، بعضهم بصفقات تبادل، وبعضهم بوساطات حقوقية، وآخرون بعد انتهاء محكوميات صورية. لكن القاسم المشترك بينهم جميعا أن الحرية لم تكن شفاء، وأن الدولة التي كان يفترض أن تستقبلهم وتحتويهم لم تكن هناك.
خرج من السجن إلى القبر
الشيخ أحمد الهلماني الحرية التي لم تنقذه ,الشيخ أحمد عبدالله الهلماني، داعية تربوي من محافظة ذمار، أصبح رمزا مأساويا للنجاة التي تأتي متأخرة جدا اعتقل في 28 أكتوبر 2025، وظل رهن الاحتجاز أكثر من شهرين في ظروف قاسية، تعرض خلالها للتعذيب والإهمال الطبي، ومنع من التواصل مع أسرته. وعندما أُفرج عنه في 19 يناير 2026، كان جسده قد انهار، ليغادر الحياة بعد أيام قليلة فقط من الحرية.حقوقيون وناشطون حملوا جماعة الحوثي المسؤولية المباشرة عن وفاته، مؤكدين أن ما حدث يمثل جريمة جسيمة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات، من اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري وتعذيب وإهمال طبي متعمد. قصته أصبحت مرجعاً حياً لفهم ما يواجهه جميع الناجين بعد الإفراج، وكيف أن الحرية لا تعني بالضرورة النجاة.
ذاكرة لا تنام
يقول “سامي” (اسم مستعار) لموقع الوعل اليمني ” وهو مدرس اعتقل ثلاث سنوات في صنعاء:”أستيقظ كل ليلة على صوت الباب الحديدي وهو يفتح. أعرف أنني في بيتي، لكن جسدي لا يصدق ذلك”.
مثل سامي، كثير من الناجين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، وأرق، وارتجاف مفاجئ، دون أي دعم نفسي، كما هو الحال مع الشيخ الهلماني الذي خرج منهكا نفسيا وجسديا قبل وفاته بأيام قليلة.
تقرير لمنظمة العفو الدولية أشار إلى أن التعذيب وسوء المعاملة تركا آثارا نفسية عميقة تشمل الاكتئاب المزمن والعزلة الاجتماعية. الناشطة الحقوقية هاجر جمال تقول:” لموقع الوعل اليمني “
“أغلب من يخرجون من السجون يعودون بأجساد حرة وأرواح محاصرة. لا توجد أي برامج لإعادة التأهيل النفسي، ولا حتى اعتراف رسمي بحجم الأذى”.
أجساد مكسورة
ليست الندوب النفسية وحدها ما يثقل كاهل الناجين. كثير منهم خرجوا بإعاقات دائمة، وأمراض مزمنة نتيجة التعذيب والإهمال الطبي.
الشيخ الهلماني هو مثال واضح، حيث تدهورت صحته نتيجة الإهمال والتعذيب، ما أدى إلى وفاته بعد الإفراج. حالات أخرى تشمل “عبد الله” الذي فقد القدرة على استخدام يده، و”مازن” الذي يعاني من فشل كلوي. تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة وثقت أنماطا من التعذيب تشمل الضرب، التعليق لفترات طويلة، والصعق الكهربائي، مع حرمان كامل من الرعاية الصحية.
هوية مكسورة
حين يخرج المعتقل، يكتشف أن وظيفته لم تنتظره. موظفون حكوميون فُصلوا، معلمون استبدلوا، صحفيون أُغلقت أمامهم المؤسسات، وتجار خسروا رؤوس أموالهم.الوصمة الاجتماعية تضاعف الجرح. الشيخ الهلماني، رغم مكانته المجتمعية، لم يجد رعاية أو دعم بعد الإفراج، وعاش آخر أيامه خارج السجن في معاناة شديدة.
لم يكن السجين وحده من عوقب. أسرته أيضا دفعت الثمن. زوجات اضطررن للعمل لأول مرة، أطفال انقطعوا عن الدراسة، أمهات طرقن أبواب السجون سنوات.الشيخ الهلماني ترك وراءه أسرة منهكة، وأبناء فقدوا والدهم بعد أن خرج من السجن بحالة حرجة، مثال حي على العبء الذي تتحمله الأسرة بعد اعتقال أحد أفرادها.لا وزارة مختصة بإعادة التأهيل، لا صندوق لتعويض الضحايا، لا برامج دعم نفسي، لا تشريعات واضحة لجبر الضرر.
الحقوقية انتصار سامر تقول” “العدالة لا تعني الإفراج فقط، بل الاعتراف، التعويض، وإعادة الاعتبار. بدون ذلك، يظل الضحايا عالقين بين السجن والشارع قصة الشيخ الهلماني وغيرها من الناجين تثبت أن غياب العدالة والعيش في دوله المليشيات يجعل الإفراج مجرد انتقال من سجن إلى معاناة مفتوحة. الناجون لا يريدون شفقة، يريدون حياة طبيعية. وظيفة تحفظ الكرامة، علاج يوقف الألم، اعتراف رسمي بأن ما تعرضوا له جريمة لا ينبغي أن تنسي.أحدهم قال:”خرجت من السجن، لكن السجن لم يخرج مني.في بلد يسعى إلى السلام، يبقى السؤال مفتوحا كيف يمكن بناء دولة عادلة إذا ترك ضحاياها يواجهون مصيرهم وحدهم؟

تقرير: انخفاض سكان غزة بأكثر من 10 بالمئة وعدد الشهداء الحقيقي وصل لـ200 ألف
تقرير فرنسي يسلّط الضوء على معاناة “أولاد البقالة” اليمنيين في نيويورك بعد حظر ترامب
نجا من الإعدام ليواجه الخذلان
نخر من الداخل.. انهيار الهيبة الأمريكية