مقالات

الهوية ليست قميصا يخلع

بقلم :يسلم البابكري

لنفترض أننا أمام 3 أشخاص من الجنوب، الأول عمره 75 عاما، والثاني عمره 50، والآخر عمره 25، الأول عاش 15 سنة قبل الاستقلال و23 سنة في عهد التشطير والباقي في عهد الوحدة وما تبعها من ضياع الدولة، والثاني عاش 15 سنة قبل الوحدة والباقي بعدها، والثالث عاش 15 سنة قبل الحرب وعشر بعدها.

الأول لم يعرف بداية للدولة إلا بعد أن رحلت بريطانيا، وقبل الرحيل كانت البلد مقسمة إلى إمارات وسلطنات ومشيخات ومحميات، وحتى حكومة اتحاد الجنوب العربي لم تستوعب كل هذه التقسيمات.

عملياً أول دولة عرفها هي جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية عاصمتها عدن وعدد محافظاتها 6، هذه أول دولة جمعت شتات الجنوب، هذه الدولة أديرت بالنهج الثوري الذي خلق صراعات مستمرة وعزلة وقطيعة مع المحيط وحرب مع الشمال والمملكة وحروب داخلية واقتصاد قائم على تحكم الدولة وإلغاء التملك وحرية التجارة وأممت الدولة كل ما يمتلكه الفرد.

وأدارها نظام شمولي قمعي صارم، ولكنها كانت دولة على أي حال، ثم عاش جزء من حياته الآخر بعد تحقيق الوحدة التي افتتحت بانفتاح اقتصادي كبير وحركة تجارة واسعة وهامش حرية كبير مع تكون منظومات فساد ومحسوبية وانتشرت ظواهر لم يعهدها الناس، كالثارات وحروب القبائل وتشكل مراكز نفوذ أضرت بحياة الناس، وشهد جزء من حياته مع سقوط الدولة وضياعها وتفككها.

الثاني عايش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كدولة يحكمها حزب واحد بعلمها المعروف ونشيدها “رددي أيتها الدنيا..”، سمع كيف انتهى الحال بالرئيس قحطان، في السجن حتى مات، وسمع عن إعدام الرئيس سالمين، وشاهد مقتل الرئيس عبدالفتاح، وفرار الرئيس علي ناصر.

وشاهد أيضا بروستركا جورباتشوف، وتصدع السوفييت وانهيار السند الذي كانت تعتمد عليه الدولة، وسقط جدار برلين الذي يعني بالضرورة أن تسقط براميل الشريجة، فتحققت الوحدة كمطلب الشعب كله، شاهد عدن وقد تضاعفت مساحتها في أقل من خمس سنوات عايش حرب 94م، شارك في الانتخابات والتصويت وعايش مشاكل لا حصر لها، لكنها بالنسبة إليه أقل وطأة من سابقها، رأى من فر بجلده في 86م يعود منتصرا في 94م، ومن فر بحرا وبرا يومها عاد منتصرا متحكما في 2015م.

الثالث بلغ الـ 15 من عمره على وقع حرب غزى فيها الحوثي الشمال والجنوب، تحرر جزء وبقي الآخر، يجادل ابن 75 سنة عن دولة الجنوب العربي التي كانت مزدهرة وستعود، ويحمل علم بثلاثة ألوان ومثلث ونجمة، ويقول هذا علم دولتنا التي سنعيدها: أيش اسم دولتك يا بني؟ الجنوب العربي، وهذا العلم حق من؟ علم دولتنا التي سنعيدها! وهذ النشيد حقنا ودولتنا من ست محافظات من عدن إلى المهرة!

يا ولدي إن كنت تتحدث عن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، فنعم هي الدولة التي تكونت بعد الاستقلال بمحافظاتها الست وهذا علمها وذاك نشيدها الذي أصبح نشيد اليمن الموحد، وهي من توحدت مع الجمهورية العربية اليمنية، وإن كنت تبحث عن دولة قبلها فابحث عن 23 كيانا مفرقا ممزقا.

يا ولدي من لا يعرف حقيقة ماضيه لن يصنع مستقبله، أنت لا تعرف كم اكتوينا بالشعارات، وكم دمرتنا الصراعات المناطقية، وكم أحرقتنا العنصرية، إن كنت تبحث عن العدالة فلن تجنيها من شجرة سقيت بالظلم، من يقول لك إنك لست يمنيا فهو كمن ينزع شجرة من عروقها، فالهوية ليست قميصا يخلع.

زر الذهاب إلى الأعلى