بيني وبينك.. في مديح الابتِلاء

د. أيمن العتوم

لم تصْفُ الحياةُ لأحدٍ، ولم تكنْ طريقُها مفروشةً بالورود، ولا أيّامُها على ما تشتهي، هذه الحياةُ أُلبِسَتْ لَبُوس الألم، وغُذّيت بأشجار العَلقَم؛ لأنّها دار ممرّ لا مقرّ، والابتِلاء فيها يُصيبُ كلّ أهلِها، كُلٌّ على قَدْرِ إيمانه بصاحبِ أقدارِها وهو الله تعالى، وفي الحديث الشّريف: «عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عن أَبيه، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَة».

وليسَ في الابتِلاء -إذا آمنَ المرءُ فيه بأنّه من الله- شرّ؛ بل إنّه كلَّه خيرٌ. ففيه معرفةُ حقّ الله في الطّاعة، ومعرفة حقّه في النِّعمة، فلولا الابتِلاءُ ما عرفَ المؤمن ما كان فيه من نعيم، وهو امتِحانٌ منه للعبد ليعرفَ قَدْرَه عنده، وصبرَه على ما عرّضه له: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ». وإنّه ليسيرٌ على مَنْ يسّره الله عليه. وكان الصّحابة إذا مرّ عليهم زمنٌ لم يتعرّضوا فيه لشيءٍ من الابتِلاء شَكُّوا في أنفسِهم، واتّهموها بالذّنب الّذي أبعدَ محبّة الله عنهم.

وإنّه لا راحةَ في الدُّنيا؛ قال تعالى: «لقد خلقْنا الإنسانَ في كَبَد» . وإنّه لو تركْتَ كَبَدًا في جهةٍ بدا لك في جهةٍ أخرى، ومَنْ رضي فله الرّضا ومَنْ سَخِطَ فله السُّخط، وإنَّ العبدَ لَيختارُ إحدى الطّريقَين، ووا أسفاه على مَنْ يتنكّب طريق الهُدى!

والابتِلاءُ عُسر يعقبه يُسر. وتَعَبٌ تعقبه راحة، وخوفٌ يعقبُه أمن، وزَرْعُ تعقبه ثمرة؛ وإنّه لا ثمرةَ إلاّ بعدَ كَدّ، وإنّ النّفس لا تُضيءُ حتّى تحترق، فأيّ احتراقٍ أجْلَى لها من أنْ يكون احتراقُها في طاعة الله، ليُنير ذلك قلبَ المرء ودَربَه، وليجعله على المَحَجَّة البيضاء.

وإنّنا لننقُلُ الخُطا من تعبٍ إلى تعب، وإنّ المشّائين لا يُوئِسُهُم طولُ الطّريق، ولا عقباتُه، ولا أخاديدُه، ما داموا يعرفون غايتَهم، وإنَّ الله ليكلؤهم بعنايته مهما اشتدّ الظّلام، وأرعدتِ الخُطُوب. وكانَ مالكُ بنُ دِينارٍ يَبْكِي وَيَبْكِي أَصحابُه، وَيَقُولُ فِي خلالِ بُكائِه: «اصْبِرُوا عَلَى طاعتِه، فَإِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ قَلِيلٌ وَغُنْمٌ طَوِيلٌ، وَالْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ» .

وإنّ الله ليبتلي ليُقرِّبَ لا ليُعاقِب، وإنّ رحمته وسِعتْ كلّ مخلوقاته، أفلا تسع أكرمها عليه، وهم عِبادُه؟! والصّابرون مذكورون في الملأ الأعلى بذلك، وموفَّون أجورهم يومَ القيامة: «إنّما يُوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب». فإذا كان استِزادة فدعاءٌ من الله بالرّحمة، فما أحوجَ المرء إليها، وهو دونَها صِفر هباء، ومُزعزَعٌ من غيرِ أولياء. فيا ربّ الحكمة إذا ابتليتَنا «ونبلوكم بالخير والشّرّ فتنة» فاجعلْنا من النَّاجحين الفائزين.

المصدر : الراية القطرية

Exit mobile version