قدمت الكاتبة، سمية الغنوشي قراءة في سلوك ومنطق الإبادة التي يشكل قناعات رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، والحملات المغولية في المنطقة، والتي كان هدفها الإبادة الجماعية.
وقالت الغنوشي في مقال لها بموقع “ميدل إيست آي”، ترجمته “عربي21” إن نتنياهو يقدم نفسه على أنه مدافع عن الحضارة الغربية ضد الهمجية، بينما يتبنى علنًا فلسفة تضعه تماماً في خندق الهمجية، فالحضارة من وجهة نظره لا تُعرف بالقانون أو المبادئ الأخلاقية، بل بالإبادة والقوة الغاشمة، أي بالمنطق نفسه الذي يدّعي معارضته.
تاليا نص مقال الغنوشي:
خلال أكثر الأيام قداسة في التقويم المسيحي، منعت السلطات الإسرائيلية الكاردينال الكاثوليكي في القدس من دخول كنيسة القيامة. مرّ أحد الشعانين، الذي يحيي ذكرى دخول المسيح إلى القدس، دون صلوات مفتوحة، بل بالحواجز والتأخيرات والقيود.
لم يكن ذلك مجرد عوائق إدارية عابرة، بل كان رسالة عن السلطة والسيطرة، عمّن يملك حق دخول الموقع المقدس، ومن ينتظر خارجه.
وفي خطاب ألقاه مؤخراً، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن المنطق الأعمق الكامن وراء هذا الواقع، مستشهداً بالمؤرخ ويل ديورانت: “لا يملك المسيح أي أفضلية على جنكيز خان”.
لم تكن هذه مجرد استعارة بلاغية، بل كانت إعلاناً – لمحة عن رؤية للعالم تُعلي من شأن الاجتياح على حساب الرحمة، وتُقدم القوة الغاشمة على المبادئ الأخلاقية.
في العهد الجديد، لم يكن المسيح غازياً، بل كان مخلصاً. لم يحكم بالترهيب، بل يدعو إلى الحق. وفي لحظة إعدامه، لم يدعُ إلى الانتقام، بل نطق بكلماتٍ ظل صداها يتردد عبر القرون. هذا الموقف ليس ضعفاً، بل هي سلطة أخلاقية من أسمى طراز.
وفي الإسلام، يعدّ عيسى بن مريم عليه السلام من أنبياء الله، يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويدعو الناس إلى الصلاح، ويجسد أسمى معاني الرحمة. رسالته التي اكتملت ببعثة النبي محمد، تربط العدالة بالرحمة والقوة بالمسؤولية الأخلاقية.
وفي العقيدتين، تتقارب الصورة بوضوح مذهل: لا غزو، بل ضمير. لا هيمنة أو إبادة، بل كرامة وقدسية للحياة البشرية.
حملات الإبادة
ينظر نتنياهو إلى هذا الإرث الأخلاقي نظرة استخفاف وازدراء، مُعلياً في المقابل من شأن جنكيز خان كنموذج جدير بالإعجاب. لكن التاريخ لا يذكر اسمه، بل ينفر منه.
لم تكن الحملات المغولية مجرد حروب توسعية، بل كانت حملات إبادة. المدن التي ازدهرت لقرون – مثل بخارى وسمرقند ومرو ونيسابور- تحولت إلى رماد وصمت مطبق.
حين سقطت بخارى، طُرد جميع سكانها، وأُحرقت المدينة، ودُنّس مسجدها الكبير. وفي مرو، يصف المؤرخون مجازر هائلة لدرجة أن إحصاء الموتى أصبح عملاً مرهقاً. أما في نيسابور، وعقب مقتل أمير مغولي، أُبيدت المدينة عن بكرة أبيها. ذُبح الرجال والنساء والأطفال، وحتى الحيوانات، في عملية إبادة شاملة.
وقد اختصر المؤرخ الفارسي عطاء ملك الجويني هذا النمط بوضوح مرعب بقوله: “جاؤوا، واستنزفوا، وأحرقوا، وقتلوا، ونهبوا، ثم رحلوا”.
لم تكن هذه الوحشية عرضية، بل كانت عقيدة – حرباً لم تُصمم لهزيمة الجيوش فحسب، بل لإبادة المجتمعات، وإطفاء جذوة الحياة والذاكرة والاستمرارية، وقطع الطريق على أي احتمال للتعافي.
ورغم أن جنكيز خان لم يصل إلى أوروبا الغربية، إلا أن الإمبراطورية التي أسسها وصلت إليها. ففي عهد خلفائه، اجتاح المغول المجر وبولندا، وسحقوا الجيوش في “موهي” و”لغنيتسا”، حاملين معهم منطق الرعب نفسه عبر القارات. كان الأسلوب ثابتاً، والرسالة واضحة: الخضوع أو الفناء.
الصدى التاريخي
إذا كان جنكيز خان قد أرسى آلة الرعب، فإن حفيده هولاكو خان قد حوّلها إلى أداة للتدمير الحضاري الشامل. ففي عام 1258، خلال حصار بغداد، تعرضت واحدة من أعظم العواصم الفكرية في التاريخ البشري للإبادة، ودُمّرت “بيت الحكمة”، ذلك المستودع الذي ضم معارف قرون ماضية.
أُلقيت المخطوطات في نهر دجلة بكميات هائلة، حتى وصف المؤرخون مياهه بأنها اصبغت بالسواد من حبر الكتب وبدماء القتلى لعدة أيام متواصلة. انهارت الخلافة العباسية في غضون أيام. لم تُهزم تلك الحضارة فحسب، بل أُبيدت.
وهنا تحديداً، يصبح الصدى التاريخي أمراً لا يمكن تجاهله، فذلك المنطق الذي استندت إليه تلك الحملات – الإيمان بأن القوة الغاشمة قادرة على كسر إرادة الشعوب، وأن الدمار الشامل يضمن الخضوع – لم يختفِ باختفاء المغول، بل عاد للظهور مجدداً بصيغة أيديولوجية حديثة في كتابات زئيف جابوتنسكي.
ينحدر نسب نتنياهو السياسي مباشرة من جابوتنسكي عبر الحركة الصهيونية التصحيحية، التي تجسدت لاحقاً في حزب هيروت ومن ثم حزب الليكود. هذا ليس مجرد صدى فكري بعيد، بل هو ميراث مباشر.
في مقاله الشهير عام 1923 بعنوان “الجدار الحديدي“، كتب جابوتنسكي بوضوح صارخ أن كل شعب أصيل سيقاوم المستوطنين الغرباء، وأن الاتفاق الطوعي أمر غير ممكن، ولذلك يجب أن يمضي الاستعمار قُدُماً خلف جدار حديدي لا يستطيع السكان الأصليون اختراقه.
هنا، لا تُعتبر القوة ملاذاً أخيراً، بل هي الأساس.
من هذه العقيدة انبثقت منظمات مسلحة مثل الإرغون وليحي والهاغاناه، وهي ميليشيات قامت خلال حملاتها الاستيطانية بسلسلة من التفجيرات، ومارست التهجير تحت تهديد السلاح، والمجازر التي بثّت الرعب في الأرجاء. أُخليت قرى بأكملها بين عشية وضحاها، حيث طُردت العائلات من المنازل أو قُتلت على عين المكان. أُبيدت قرى بأكملها، ولم يبق منها سوى ذكرى.
وفي أعقاب النكبة، شكلت هذه الميليشيات نواة الجيش الإسرائيلي.
عائلات مُحيت
لم ينتهِ ذلك المنطق، بل تطور. فمنذ أكثر من شهر، أُغلق المسجد الأقصى أمام المصلين، في أطول فترة إغلاق من نوعها منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967.
وفي غضون ذلك، سُمح لجموع المستوطنين بالاحتفال بعيد “البوريم” علنًا وبأعداد غفيرة في شوارع القدس، في مشاهد تضمنت السخرية من سكانها العرب.
وفي غزة، يتجلى هذا المنطق بأبشع صوره. شريط أرض لا تتجاوز مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، يُعدّ من أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان على وجه الأرض، تعرّض لدمار هائل يفوق التصور.
أطلقت إسرائيل العنان لقوة تدميرية هائلة ضد سكان مدنيين محاصرين، وألقت قنابل خارقة للحصون فوق خيام النازحين. حاصر الموت الناس بكل أشكاله: من القنابل والنيران إلى رصاص القناصة، ومن الأمراض إلى الجوع والعطش.
مُحيت عائلات بأكملها من السجلات المدنية، من الأجداد وصولاً إلى الأحفاد. شُوّه الأطفال وبُترت أطرافهم في مشاهد صادمة حتى لأكثر المراقبين خبرة بالحروب. تحولت مدينة تنبض بالحياة إلى مقبرة من الخرسانة والرماد.
هذا العنف ليس مجرد وسيلة، بل غاية في حد ذاته. وإذا نظرت بتمعن، سترى بوضوح آثار أقدام جنكيز خان وجيوشه التي لا تخطئها العين.
ومع ذلك، تظل المفارقة الكبرى قائمة: يقدم نتنياهو نفسه على أنه مدافع عن الحضارة الغربية ضد الهمجية، بينما يتبنى علنًا فلسفة تضعه تماماً في خندق الهمجية. الحضارة من وجهة نظره لا تُعرف بالقانون أو المبادئ الأخلاقية، بل بالإبادة والقوة الغاشمة، أي بالمنطق نفسه الذي يدّعي معارضته.
أوهام العظمة
قبل أكثر من عشرين عاماً، كان نتنياهو من بين أبرز الأصوات التي تحثّ الولايات المتحدة على غزو العراق وتدميره، مكرراً مزاعم حول وجود أسلحة دمار شامل وضرورة إسقاط النظام العراقي. وقد وقعت تلك الحرب، وتمّ تدمير العاصمة التي سبق أن تحولت إلى أنقاض ذات يوم على يد هولاكو خان.
واليوم، يتكرر النمط ذاته.
دفع نتنياهو واشنطن مرة أخرى نحو الحرب، ولكن هذه المرة ضد إيران، مشجعاً على حملة تستهدف المدن الكبرى لحضارة عريقة: طهران وأصفهان ومشهد، وهي مدن يمتد تاريخها لآلاف السنين. وحسب تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن الهدف هو إعادة إيران إلى “العصر الحجري“.
اللغة المستخدمة مألوفة تماماً، إنها لغة الإبادة.
والحقيقة هي أن تشبيه نتنياهو بجنكيز خان يمنحه قدراً أكبر مما يستحق. فقد كان جنكيز خان يمتلك قوة صنعها بنفسه، وقادها، وفرضها عبر القارات.
أما نتنياهو، فلا يملك أيًّا من ذلك. قوته مستمدة – عسكرياً ومالياً ودبلوماسياً – من الولايات المتحدة. تلك القوة التي يستخدمها ليست مستقلة، بل نابعة من قوة أخرى.
هو ليس جنكيز خان، بل هو نتاج للقوة وليس مصدرها، رجل يتظاهر أنه صاحب القرار، لكنه لا يعدو أن يكون تابعًا.
يتحدث نتنياهو بلغة الهيمنة ويستحضر صورة القائد المظفر، متسترا بخطاب الحضارة. لكن الواقع مختلف تماما.
هو ليس جنكيز خان، بل هو مجرد مجرم تطارده أوهام العظمة.
السيف الذي يلوّح به ليس سيفه. لو سُلب منه، لن يتبقى شيء.

تعز.. حين تقرأ الجغرافيا بعيون الثورة والمقاومة
الأقليات لا تُسقط أنظمة… تُسقط دولاً
القضية الفلسطينية والمواقف العربية
لاريجاني والظل الثقيل.. رجل الفلسفة الذي شرعن البطش