غزة _ الوعل اليمني
في مقابل الرواية الإسرائيلية التي تزعم تسجيل نحو 60 ألف مولود في قطاع غزة خلال عام 2025، تكشف معطيات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة واقعاً مغايراً يعكس عمق الكارثة الإنسانية والصحية التي خلّفتها حرب الإبادة المستمرة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
أكد المدير العام لوزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، أن القطاع شهد ولادة نحو 50 ألف مولود حي فقط خلال عام 2025، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 11% مقارنة بمعدلات ما قبل الحرب. ويعزو البرش هذا التراجع إلى التدهور غير المسبوق في الأوضاع الصحية والمعيشية، في ظل القصف المتواصل، والحصار، وتدمير المنظومة الطبية، وخروج عشرات المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة.
وشدد البرش على أن التركيز على أرقام المواليد المجردة يخدم رواية سياسية مضللة، مؤكداً أن تقييم جرائم الإبادة لا يقاس بعدد من وُلدوا فقط، بل بعدد من حُرموا من الولادة الآمنة، ومن وُلدوا في ظروف تهدد حياتهم، ومن فقدوا حياتهم قبل أن تتوفر لهم أدنى مقومات البقاء.
ولادات غير آمنة
ووفق المعطيات الصحية الموثقة، سجّل القطاع خلال عام 2025 نحو 4,900 حالة ولادة بأوزان منخفضة، بزيادة تجاوزت 60% مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب. كما تم تسجيل 4,100 حالة ولادة مبكرة، نتيجة تعرض الأمهات لضغوط نفسية وجسدية قاسية، وسوء التغذية، وحرمانهن من الرعاية الصحية الأساسية.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب وزارة الصحة، الانهيار شبه الكامل لخدمات الأمومة والطفولة، في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، واستهداف المستشفيات وأقسام الولادة، وصعوبة وصول الحوامل إلى المرافق الصحية الآمنة.
استهداف الأجنة
في مؤشر بالغ الخطورة، وثّقت وزارة الصحة في غزة خلال عام 2025 تسجيل 616 حالة وفاة داخل أرحام الأمهات، وهو رقم يعادل ضعف المعدلات المسجلة قبل الحرب، ما يعكس الأثر المباشر للعدوان الإسرائيلي على الأجنّة.
كما تم تسجيل 457 حالة وفاة لحديثي الولادة بعد الولادة مباشرة، بارتفاع نسبته 50% مقارنة بالفترة السابقة، نتيجة غياب الحضّانات، ونقص الأكسجين، وانعدام الرعاية الطبية المتخصصة.
ولم تقتصر تداعيات العدوان على الوفيات، إذ كشف البرش عن تسجيل 322 حالة تشوهات خلقية بين المواليد خلال عام 2025، بمعدل 64 حالة لكل 10 آلاف مولود حي، مقارنة بـ32 حالة فقط قبل الحرب. وأكد أن هذا الارتفاع يرتبط بشكل مباشر بالقصف، والتلوث، وسوء التغذية، وانعدام المتابعة الطبية خلال الحمل.
وفي سياق متصل، أوضح البرش أن 60% من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر الماضي هم من الأطفال والنساء. ووفق المكتب الإعلامي الحكومي، قتلت إسرائيل 524 فلسطينياً وأصابت 1,360 آخرين، عبر 1,450 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار.
تفنيد الرواية
وشدد البرش على أن رفع الاحتلال لأرقام المواليد إلى مستويات غير دقيقة يهدف إلى تسويق رواية زائفة تنكر جريمة الإبادة الجماعية، وتغفل حقيقة تدمير البيئة الصحية والإنسانية في القطاع. وأضاف أن الأرقام الصحية الموثقة تشكّل شهادة دامغة على استهداف ممنهج للحياة الفلسطينية، بدءاً من الأجنّة في أرحام أمهاتهم، وصولاً إلى الأطفال والنساء.
واختتم البرش بالتأكيد على أن الواقع الصحي في غزة لا يزال بالغ الخطورة، في ظل استمرار الحصار، ومنع إدخال الإمدادات الطبية، وغياب أي ضمانات حقيقية لحماية المدنيين. وأشار إلى أن حرب الإبادة التي استمرت لعامين خلّفت أكثر من 71 ألف قتيل، وما يزيد على 171 ألف جريح، ودماراً طال نحو 90% من البنى التحتية المدنية، بتكلفة إعادة إعمار تقدّرها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
وتبقى هذه المعطيات، وفق وزارة الصحة، دليلاً موثقاً على أن معركة الأرقام لا تقل خطورة عن القصف، وأن التلاعب بالبيانات لن يغيّر من حقيقة أن غزة تعيش واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث.







