ثياب العيد مخضبة بالدماء.. رصاص الاحتلال يغتال عائلة “بني عودة” ويترك طفليها ليتيمٍ أبدي
فلسطين – الوعل اليمني.
لم تكن أزقة بلدة “طمون” تستعد لزينة العيد فحسب، بل كانت تنتظر عودة عائلة “بني عودة” بضحكات الصغار وأكياس الملابس الجديدة، لكن الموت كان يكمن في عتمة الطريق. لم تكن الرصاصات التي اخترقت جسد الأب والأم وطفليهما مجرد معدن بارد، بل كانت نعيًا مُبكراً لحلمٍ لم يكتمل، وسرداً مأساوياً لحكاية عائلة خرجت تفتش عن البهجة، فعادت محمولة على الأكتاف في ليلةٍ غاب فيها العيد وحضر فيها العزاء.
في مشهد مهيب يفيض بالحزن والقهر، شيعت محافظة طوباس، أمس الأحد، جثامين شهداء “مجزرة طمون”؛ الأب علي خالد بني عودة (37 عاماً)، وزوجته وعد (35 عاماً)، وطفليهما محمد (5 أعوام) وعثمان (7 أعوام). وانطلقت الجنازة من المستشفى التركي الحكومي وسط هتافات تندد بالجريمة البشعة التي ارتكبتها وحدة إسرائيلية خاصة بحق عائلة مدنية عُزّل كانت في طريق عودتها للمنزل.
عناق لم يدم طويلاً
تروي والدة الشهيد علي بمرارة اللحظات الأخيرة؛ فابنها الذي يعمل في قطاع البناء داخل الأراضي المحتلة عام 1948، لم يزر عائلته منذ شهرين بسبب ظروف العمل القاسية. وتقول: “انتظره أطفاله على قارعة الطريق، وعندما وصل ركضوا نحوه فرحين، ولم يكد يستريح حتى قرر اصطحابهم إلى نابلس لشراء ملابس العيد، أراد أن يعوضهم عن غيابه الطويل”.
إلا أن طريق العودة عند الساعة الواحدة والنصف فجراً كان يخبئ فخاً دموياً؛ حيث نصبت قوة خاصة كميناً داخل البلدة، وأمطرت مركبة العائلة بوابل من الرصاص المباشر الذي تركز في مناطق الرأس والصدر، محولاً السيارة التي كانت تعج بالأحلام إلى مسرح للجريمة البشعة.
ناجون يروون الفاجعة
وسط هذا الركام من الوجع، نجا الطفلان خالد (12 عاماً) ومصطفى، بعدما احتميا أسفل مقاعد السيارة.
وفي مقطع فيديو تحدث فيه الطفل الناجي عن تفاصيل المجزرة، فروى تفاصيل لا تمحى من الذاكرة: “أخرجني الجندي من السيارة وبدأ يضربني بحذائه على ظهري، سمعته يقول (قتلنا كلاب). رأيت أبي يرفع سبابته يتشهد، وأمي تبكي قبل أن ينقطع نفسها.. لم أعد أسمع لهم صوتاً”.
وخلال تشييع جثامينهم تحدث، كمال بني عودة، مدير نادي الأسير وأحد أقارب العائلة، أن الاحتلال حاول إخفاء معالم الجريمة بمصادرة المركبة بعد ساعات من وقوع المجزرة، مؤكداً أن العائلة مدنية تماماً وأن استهدافها كان “إعداماً ميدانياً” بدم بارد، يهدف لكسر إرادة الحياة لدى الفلسطينيين.
وداع أخير
وفي مقبرة العائلة ببلدة طمون، وُوريت الجثامين الثرى وسط حالة من الصدمة الشعبية والرسمية. ولم تكن ملابس العيد التي بقيت في السيارة المدممة مجرد ثياب، بل غدت شاهداً صارخاً على فداحة الاستهداف، في ظل مطالبات حقوقية ورسمية بمحاسبة دولية على هذه “المجزرة العائلية”.
اليوم، انطفأت شمعة عائلة كاملة في طمون، وبقي طفلان يحملان في قلبيهما ندبة لا تبرأ، وذاكرة مثقلة بصوت الرصاص وكلمة “خلاص” الأخيرة التي نطقت بها والدتهما قبل أن يرحل العيد.. ويرحلوا معه.







