في نهاية 2025 لا تبدو الطفولة في اليمن مرحلة عمرية بقدر ما تبدو منطقة خطر. عامٌ آخر يمرّ على أطفالٍ كبروا قبل أوانهم أو رحلوا قبل أن يعرفوا معنى الحياة. بين المدارس التي تحولت إلى ساحات تعبئة، والمعسكرات التي ابتلعت التلاميذ، والجوع الذي صار بوابة للتجنيد، يقدّم هذا العام حصادًا ثقيلًا من الانتهاكات، جعل من الطفل اليمني العنوان الأبرز لأقسى فصول الصراع.
مدارس بلا أجراس
خلال 2025، لم يعد صوت الجرس المدرسي إعلانًا عن بدء الحصة، بل إشارة غير مرئية لبداية الاستقطاب. تقارير حقوقية محلية أكدت أن مئات المدارس في مناطق سيطرة الحوثيين استُخدمت خلال العام لأغراض التعبئة الفكرية والتجنيد، ضمن مسار ممنهج بدأ قبل سنوات لكنه بلغ ذروته هذا العام. في هذه المدارس تغيّرت المناهج، وتبدلت الرسائل، وصار الطفل يُهيّأ نفسيًا للقتال تحت عناوين دينية ووطنية، في انتهاك مباشر لحقه في التعليم الآمن.
وليّ أمر من محافظة عمران يقول لموقع الوعل اليمني إن ابنه تغيّر خلال أشهر قليلة، لم يعد يتحدث عن الامتحانات بل عن الجبهات، ولم يعد يحمل كتبه بل شعارات الموت. بعد أسابيع فقط اختفى، ثم وصلهم خبر مقتله. هكذا اختُصر المسار من الصف إلى القبر.
حين تتحول الإحصاءات إلى مراثٍ
الأرقام التي وثّقتها المنظمات الحقوقية خلال 2025 لا تُقرأ ببرود. مقتل 146 طفلًا خلال عشرة أشهر فقط أثناء مشاركتهم في أنشطة عسكرية، ليس رقمًا عابرًا بل مؤشرًا على تصاعد خطير. في الوقت ذاته استمر نزيف الألغام، حيث سقط عشرات الأطفال هذا العام ضمن حصادٍ أوسع بلغ أكثر من ألفي طفل قُتلوا أو أُصيبوا بين 2020 و2025 بسبب ألغام زُرعت في مزارع وطرقات وأماكن لعب.
وفي سياق أوسع، كشفت تقارير يمنية ودولية أن عدد الانتهاكات بحق الأطفال خلال العقد الأخير تجاوز 21 ألف حالة، بينها القتل، الإصابة، الاختطاف، التجنيد، والحرمان من التعليم. عام 2025 لم يكن استثناءً، بل كان عامًا مكثفًا لهذه الانتهاكات، مع توسّع رقعة التجنيد وتراجع أي مؤشرات حماية فعلية.
الجوع بوصفه أداة حرب
في 2025 بلغ استغلال الفقر ذروته. أكثر من 2.4 مليون طفل دون الخامسة يحتاجون علاجًا من سوء التغذية، و600 ألف منهم يواجهون خطر الموت. هذه الأرقام تحوّلت إلى مدخل مباشر للتجنيد، حيث وُثّقت حالات كثيرة قُدّمت فيها السلال الغذائية والرواتب البسيطة مقابل التحاق الأطفال بالمعسكرات.
أم من الحديدة تقول لموقع الوعل اليمني” إنهم لم يجدوا ما يأكلونه لأيام، وحين جاء العرض بدا كأنه طوق نجاة. بعد شهرين فقط عاد الخبر، ابنها قُتل في جبهة لا تعرف موقعها. تقول بصوت خافت إن الجوع هو من سلّم طفلها للبندقية.
المعسكرات الصيفية: موسم حصاد الدم
خلال صيف 2025 توسعت المعسكرات الصيفية بشكل غير مسبوق. آلاف الأطفال استُدعوا تحت مسمى الأنشطة الثقافية، ليجدوا أنفسهم في تدريبات عسكرية واختبارات ولاء. تقارير حقوقية أكدت أن أطفالًا شاركوا في معسكرات سابقة أُعيد استدعاؤهم هذا العام بوصفهم قوات احتياط، في دليل على بناء مخزون بشري صغير السن لحرب طويلة.
مختص في شؤون حقوق الطفل يصف هذه المعسكرات بأنها أخطر أشكال التجنيد لأنها تدمج التعليم بالتعبئة، وتجعل الطفل لا يرى نفسه ضحية بل مشروع مقاتل.
غزة في الخطاب والجبهات في الواقع
أحد أبرز ملامح 2025 كان استمرار استغلال الحرب على غزة في خطاب التجنيد. تقارير دولية أكدت أن أطفالًا أُقنعوا بأنهم سيقاتلون من أجل فلسطين، بينما أُرسلوا فعليًا إلى جبهات مأرب وتعز. هذا الاستخدام السياسي للقضية الفلسطينية لم يكن عابرًا، بل جزءًا من خطاب تعبوي استهدف العاطفة الدينية والقومية لدى الأطفال وأسرهم.
ناشطة حقوقية من صنعاء تؤكد أن كثيرًا من العائلات اكتشفت الخديعة بعد فوات الأوان، حين عاد أبناؤها قتلى أو لم يعودوا مطلقًا.
جريمة مستمرة بلا ردع
يرى باحثون حقوقيون أن عام 2025 كشف فشلًا دوليًا واضحًا في حماية أطفال اليمن. رغم إدراج الحوثيين في القوائم السوداء الأممية، ورغم توقيعهم خطط عمل لوقف التجنيد، إلا أن الوقائع الميدانية تثبت أن الالتزامات بقيت حبرًا على ورق.مختص قانوني يمني يؤكد أن تجنيد الأطفال جريمة حرب لا تسقط بالتقادم، وأن ما يحدث اليوم سيلاحق مرتكبيه مستقبلًا، لكنه يحذّر من أن العدالة المؤجلة تعني ضحايا جدد.
الأسر والضحايا: ذاكرة مثقلة بالصمت
في القرى والمدن، تعيش آلاف الأسر حدادًا مفتوحًا. آباء فقدوا أبناءهم، وأمهات يحملن صورًا بلا قبور، وأطفال عادوا بإعاقات جسدية ونفسية. بعض الضحايا الصغار الذين نجوا من الجبهات يعانون كوابيس دائمة، صمتًا طويلًا، وخوفًا من الأصوات المرتفعة.
اب لطفل عاد مصابًا يوكد لموقع الوعل اليمني إن الرصاصة لم تقتل ابنه لكنها قتلت طفولته، لم يعد يضحك، ولم يعد يحلم، فقط يجلس وينظر طويلًا في الفراغ.
تعليم المنهار وجيل مهدد
بحلول نهاية 2025، بلغ عدد الأطفال المحرومين من التعليم نحو 3.7 مليون طفل. المدارس المدمرة، والمناهج المؤدلجة، والخوف من التجنيد، كلها عوامل دفعت الأسر إلى إبقاء أبنائها في المنازل أو إرسالهم إلى سوق عمل قاسٍ. النتيجة جيل كامل مهدد بالأمية والعنف وإعادة إنتاج الصراع.
عام يجب ألا يتكرر
حصاد 2025 ليس مجرد سجل انتهاكات، بل شهادة دامغة على أن الطفولة في اليمن تُستهدف بوعي كامل. عامٌ أثبت أن الحرب لا تُدار فقط بالسلاح، بل بالمدارس والجوع والخطاب. إن إنقاذ أطفال اليمن لم يعد خيارًا أخلاقيًا مؤجلًا، بل ضرورة عاجلة، لأن كل يوم تأخير يعني طفلًا جديدًا يُسحب من الحياة إلى الموت.إذا كان 2025 قد كُتب بدم الأطفال، فإن الأعوام القادمة ستُدان بصمت العالم إن لم يتغير المسار الآن.






