حضرموت والوضع الراهن: قراءة في جذور الأزمة ومسارات الحل

بقلم: أ.د. خالد سالم باوزير

إنّ مَن لم يقرأ تاريخ المناطق الغربية (ما كان يُسمى بالجنوب) منذ إعلان الاستقلال عام 1967م، سيتجاهل حقيقة أن القيادات التاريخية كانت تنحصر في نطاق ما يُعرف اليوم بـ “المثلث”. هؤلاء تصدّروا المشهد السياسي والعسكري منذ رحيل بريطانيا، ويرى الكثيرون —سراً وعلانية— أنهم كانوا السبب الجوهري وراء الأزمات التي عصفت بالجنوب من الاستقلال وحتى يومنا هذا.

احتكار القوة وتهميش الأطراف:
لا شك أن سيطرة ثلاث مديريات غربية على مفاصل “الجنوب” —من الجيش والأمن إلى المناصب السيادية والسفارات— خلقت حالة من الإقصاء لبقية المحافظات، وتحديداً حضرموت، وشبوة، والمهرة، وأجزاء من أبين.

هذا التهميش لم يكن صدفة، بل لعدم امتلاك هذه المحافظات للقوة العسكرية الموازية التي تُهيمن على القرار.

لقد شهد التاريخ سلسلة من الصراعات الدامية؛ بدأت بالصراع بين “جبهة التحرير” و”الجبهة القومية” قبل 1967، وصولاً إلى تسلّم القومية للسلطة كحاكم أوحد.

ثم توالت الأحداث:

يبدو من الصعب —وقد أكون مخطئاً— التعايش مع عقلية لا ترضى إلا بـ “وجبات الصراع المسلح” لتصفية الساحة وتعبيد الطريق للسيطرة المطلقة، حيث يرى هؤلاء أنفسهم الحكام الطبيعيين، بينما يظل الآخرون مجرد “توابع”.

اليوم، فشل مشروع الدولة في الجنوب، وخرج الشمال عن مسار الدولة ليسقط في يد الحوثي. وفي هذا الخضم، تظل حضرموت هي الجائزة الكبرى التي ينظر إليها الجميع (شمالاً وجنوباً) كأرض غنية بالثروات، وما لم نحافظ عليها بنظام خاص، فإنها ستتجه نحو مصير غامض.

الحكم الذاتي: الضرورة والمخرج:
إن الحل العقلاني لحضرموت حالياً هو “الحكم الذاتي”، كما يدعو “حلف حضرموت” منذ عام. هذا الخيار يمثل طوق نجاة حتى تُحل الأزمة اليمنية الشاملة. لا يمكننا الانتظار في بقعة جغرافية يصعب التكهن بمستقبلها، خاصة في ظل انعدام التوازن العسكري بين المحافظات.

أما الحوارات المزمع إقامتها، فمن الصعب أن تنجح وسط ضجيج “المليونيات الأسبوعية” المندفعة، والتي أراها عديمة الفائدة في تحقيق مكاسب حقيقية، فماذا تحقق خلال عشر سنوات من السيطرة على عدن والمناطق المحررة والموارد؟ النتيجة هي التشظي، ورمي المسؤولية على كاهل المملكة العربية السعودية.

لقد أنقذ التدخل السعودي في يناير 2026 الوضع في حضرموت والمهرة من تأزم وشيك، ومنع نقل صراعات المناطق الغربية إلينا.

إن من يحاول اليوم إقلاق السكينة الحضرمية يجهل أن الواقع قد تغير؛ فالمملكة اليوم، بقيادة جيل الشباب، منفتحة على العالم وتدير ملفاتها بحكمة وقوة، وتأثيرها واضح دولياً وإقليمياً.

إن التقارب مع السعودية ليس مجرد خيار، بل هو مصلحة وطنية عليا للجميع. وأي محاولة لتأزيم العلاقة مع الرياض بشعارات جوفاء هي جهل بالواقع.

الخلاصة:
علينا أن نمنع نقل صراعات الآخرين إلى مناطقنا التي يسودها الأمن. لن تنجح أي مشاريع تُفرض قسراً دون توافق، ودون مباركة الرياض التي تحمل الملف اليمني بصبر وحكمة.
هذا والله من وراء القصد.

Exit mobile version