حين يعلو الضجيج… تُختبر صلابة الشراكات

بقلم :د. علي العسلي
في إدارة الأزمات المعقّدة، لا تختبر الدول حلفاءها بخطابٍ مرتفع النبرة، بل بقدرتهم على ضبطه. فالشراكات الناجحة لا تُقاس بمن يرفع صوته أكثر، بل بمن يفهم اللحظة، ويحمي المسار، ويمنع الانزلاق حين تقترب الاستحقاقات.
في اللحظات السياسية الحسّاسة، لا تُقاس الخطابات بحدّتها، بل بقدرتها على تبريد المشهد ومنع الانفجار. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن طرحه قبيل تشكيل حكومة جديدة ليس الخلاف في الرأي أو البرنامج أو معايير الاختيار، بل لغة الاستعلاء التي تتغذّى على التهديد، وتستبدل السياسة بالضجيج.
ما صدر مؤخرًا من خطاب حادّ، قُدِّم بوصفه دفاعًا عن «قضية عادلة»، لا يمكن قراءته خارج سياقه الزمني ولا خارج أثره العملي. فهو لم يُسهم في حماية الجنوب، بقدر ما أعاد إنتاج خطاب الإقصاء داخل الجنوب نفسه، وفتح نافذة إرباك في توقيت يُفترض فيه ضبط الإيقاع لا كسره.
الخلل الأول في هذا الخطاب أنه يخلط، عن عمد أو عجز، بين الخصومة السياسية ومصادرة «الجنوب كأرضٍ وشعب». فكل نقد يُصوَّر تنمّرًا، وكل اختلاف يُجرَّم، وكأن الجنوب كتلة صمّاء لا حق لها في الاجتهاد أو التباين. وهذا ليس دفاعًا عن القضية، بل مصادرة لحق الجنوبي المختلف، وإعادة تعريف للولاء بوصفه شرطًا للانتماء.
ثم ينتقل الخطاب إلى ما هو أخطر: احتكار الأرض والقرار. فعندما تتحول الجغرافيا إلى أداة طرد سياسي، وتُقال للآخر «ابحث لك عن مكان آخر»، نكون قد غادرنا منطق الشراكة ودخلنا منطقة الغلبة. والتجربة اليمنية، شمالًا وجنوبًا، أثبتت أن هذه اللغة لا تُنتج استقرارًا، بل تصنع صراعات متوالدة لا تنتهي.
أما الطعن في ترتيبات سياسية قائمة، كالمناصفة بصيغتها الحالية، بوصفها غير عادلة بين «أصحاب الأرض» ومن لا يملك تمثيلًا حقيقيًا عليها، دون تقديم بديل وطني جامع، فليس مشروع إصلاح، بل ابتزاز سياسي في لحظة دقيقة. فالمناصفة لم تكن يومًا منّة من أحد، بل وُضعت كحلٍّ مؤقت لتفادي الانفجار. ومن أراد تجاوزها، فليطرح تصورًا مسؤولًا، لا تهديدًا بإغلاق المدن وتحويل الحكومة إلى كيان معزول.
اللافت – والمقلق – أن هذا الخطاب جاء متزامنًا مع اقتراب إعلان الحكومة. والتوقيت هنا ليس تفصيلًا. ففي السياسة، من يملك مشروعًا يتفاوض بهدوء، ومن يفتقده يرفع صوته. وحين لا تُمرَّر الرغبات في الغرف المغلقة، يخرج الغضب إلى العلن، لا دفاعًا عن قضية، بل تعويضًا عن غياب موقع.
وهنا تبرز مسألة لا يجوز تجاهلها: انعكاس هذا النوع من الخطاب على الشقيقة المملكة العربية السعودية، التي تستضيف الجميع – حتى من يتطاولون – وتبذل جهودًا كبيرة للتقريب، وترعى الحوار، وتتحمّل كلفة تثبيت الاستقرار. غير أن بعض الهواة السياسيين لم يتعلّموا من تجربتها؛
فالتجربة الطويلة للمملكة في الإقليم تقول بوضوح إن الدول لا تُدار بالصراخ، ولا تُبنى الشراكات تحت التهديد، وأن الجوار المنهك لا يصنع حدودًا آمنة. وكل خطاب يربك المشهد اليمني الداخلي ينعكس مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها، وهو ما أثبتته الوقائع على الأرض، لا الادعاءات.
الأخطر من ذلك، أن تتقاطع هذه اللغة الفجّة المتشنجة مع سرديات خارجية مشبوهة، يروّج لها بعض الكُتّاب الصهاينة في منصات دولية، وتُقدَّم بوصفها «قراءات غربية»، بينما هي في حقيقتها وقود إضافي للفوضى، لا نصائح للاستقرار. وعندما يلتقي الخطاب الداخلي المتشنج مع هذه السرديات، يصبح الضرر مضاعفًا.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على قائل الخطاب وحده، بل على من يفتح له المنصات ويمنحه صفة تمثيلية، ويحرص على إبقائه حاضرًا في “طاولة القرار” بوصفه “حلًا” أو “بديلًا”. فالشرعية لا تُبنى بالتلميع الإعلامي، بل بمدى تمثيل الشخص لمجتمعه، وقدرته على إدارة الاختلاف دون تفجير الدولة.
الخلاصة بسيطة وواضحة:
القضايا العادلة لا تحتاج إلى تنمّر،
والشراكات الحقيقية لا تُبنى بالتهديد،
والدول التي تبحث عن الاستقرار تعرف متى تُبعد الضجيج عن غرفة القرار.
وفي اليمن، كما في غيره، قد يكون أبعد ما يحتاجه المشهد اليوم، هو هذا النوع من الشخوص والخطاب… لا أكثر.






