خدمات “واشنطن” القنصلية في مستوطنات الضفة: تكريس لسيادة الاحتلال أم إجراء إداري عابر؟

فلسطين _ الوعل اليمني

في خطوة هي الأولى من نوعها منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، أعلنت سفارة الولايات المتحدة لدى إسرائيل شروعها بتقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنات مقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة، ما أثار ترحيباً إسرائيلياً واسعاً مقابل إدانات فلسطينية اعتبرت القرار تكريساً لواقع الضم وتعزيزاً لشرعية الاستيطان المخالف للقانون الدولي.

وجاء الإعلان عبر بيان نشرته السفارة على منصة “إكس”، أكدت فيه أن موظفي الشؤون القنصلية سيباشرون، اعتباراً من يوم الجمعة، تقديم خدمات جوازات السفر الاعتيادية في مستوطنة “إفرات” الواقعة ضمن تجمع “غوش عتصيون” جنوب بيت لحم، على أن تتبعها زيارات ميدانية خلال الشهرين المقبلين تشمل مستوطنة “بيتار عيليت”، إضافة إلى مواقع أخرى. وبررت السفارة الخطوة بأنها تندرج ضمن جهودها “للوصول إلى جميع الأمريكيين” المقيمين في المنطقة، مشيرة إلى أن خدمات مماثلة ستُقدَّم أيضاً في مدن فلسطينية مثل رام الله.

في المقابل، رحبت وزارة الخارجية الإسرائيلية بالقرار واعتبرته “تاريخياً”، بينما عبّر وزير الخارجية جدعون ساعر، في كلمة ألقاها أمام الكنيست خلال احتفالية بمرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، عن تقدير بلاده لتوسيع نطاق الخدمات القنصلية ليشمل مستوطنة في الضفة الغربية، مؤكداً أن هذه الخطوة تعكس متانة العلاقات بين واشنطن وتل أبيب.

ترحيب وانتقاد

وأكد ساعر أن القيم المشتركة بين البلدين تشكل أساس التحالف القائم، مشدداً على أن إسرائيل تمثل حليفاً استراتيجياً للمصالح الأمريكية في المنطقة، وأن العلاقات الثنائية تشهد مستويات غير مسبوقة من التنسيق السياسي والأمني.

وزير الخارجية الإسرائيلية، جدعون ساعر

في المقابل، اعتبرت حركة “حماس” القرار الأمريكي “سابقة خطيرة” و”اعترافاً عملياً بشرعية الاستيطان”، مؤكدة في بيان أن تقديم خدمات رسمية داخل مستوطنة مقامة على أراضٍ محتلة يمثل انتهاكاً للقانون الدولي وتماهياً مع سياسات الضم.

وأضافت الحركة أن الخطوة تكشف تناقضاً في الموقف الأمريكي بين التصريحات الرافضة لضم الضفة الغربية والإجراءات التي تعزز السيطرة الإسرائيلية ميدانياً، داعية إلى موقف دولي ضاغط لوقف ما وصفته بفرض وقائع سياسية جديدة.

سياق سياسي أوسع

وتأتي هذه الخطوة في ظل تباين بالمواقف الأمريكية المعلنة تجاه مستقبل الضفة الغربية، إذ سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن أعلن معارضته لخطوات الضم، في وقت شهدت فيه المرحلة الماضية إجراءات اعتبرها مراقبون منحازة للرواية الإسرائيلية.

كما أثارت تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، التي تحدث فيها عن “حق توراتي” يمتد من النيل إلى الفرات، انتقادات واسعة في المنطقة، واعتُبرت مؤشراً على تصاعد الخطاب الداعم للتوسع الإسرائيلي داخل بعض الدوائر الأمريكية.

وفي السياق ذاته، جرى دمج مكتب الشؤون الفلسطينية داخل السفارة الأمريكية في القدس، ما اعتُبر تقليصاً لوضعه السياسي السابق، في خطوة فسّرها متابعون على أنها إعادة ترتيب لأولويات الحضور الدبلوماسي الأمريكي في الأراضي الفلسطينية.

أرقام ومعطيات

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن عدد المستوطنين الحاملين للجنسية الأمريكية في الضفة الغربية يبلغ عشرات الآلاف، في وقت يعيش فيه أكثر من 500 ألف مستوطن إسرائيلي مقابل نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية.

ولا توفر السفارة الأمريكية أرقاماً دقيقة حول عدد المواطنين الأمريكيين المقيمين في المستوطنات، إلا أن مستوطنة “إفرات” تُعد من التجمعات التي تضم نسبة ملحوظة من المهاجرين الأمريكيين.

وتعتبر الأمم المتحدة ومعظم دول العالم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي، بينما ترفض إسرائيل هذا التوصيف، وتؤكد وجود روابط تاريخية ودينية بالأرض.

دلالات الخطوة

ويرى مراقبون أن تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة يتجاوز البعد الإداري التقني، ليحمل دلالات سياسية تتعلق بطبيعة التعاطي الأمريكي مع الأراضي المحتلة ومكانتها القانونية.

فبينما تصر واشنطن على أن الخطوة تهدف إلى تسهيل الخدمات لمواطنيها، يعتبرها فلسطينيون مؤشراً على تحول عملي في السياسة الأمريكية تجاه الاستيطان.

وبين الترحيب الإسرائيلي والرفض الفلسطيني، يفتح القرار باباً لنقاش أوسع حول حدود الدعم الأمريكي لإسرائيل، وحول ما إذا كانت هذه الخطوة إجراءً قنصلياً محدوداً أم تطوراً سياسياً ستكون له انعكاسات أوسع على مستقبل الضفة الغربية.

Exit mobile version