
تمر إيران بإحدى أكثر الفترات حرجا منذ ثورة 1979، وذلك بالنظر إلى النقطة التي وصلت إليها الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025.
تشهد إيران احتجاجات كل عامين أو ثلاثة تقريبا، غالبيتها بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية. ففي عام 2019، نزل الناس إلى الشوارع للاحتجاج على التدهور الاقتصادي. وفي عام 2022، حمّل الإيرانيون الشرطة المسؤولية عن وفاة سيدة إيرانية تدعى مهسا أميني، فملؤوا الشوارع مجددا، وقامت مجموعات هامشية بالتلاعب بالاحتجاجات وألحقت أضرارا جسيمة بالممتلكات العامة والخاصة.
ومع ذلك، فإن المظاهرات التي بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول إثر تعرض البلاد لانخفاض حاد في قيمة العملة فقدت إثره قيمتها أمام الدولار، تكتسب أهمية؛ لأنها تزامنت مع فترة تكثف فيها تهديد بشن هجوم جديد من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.
تظهر الاحتجاجات، التي دخلت يومها الخامس عشر، بعض الاختلافات عند مقارنتها بالاحتجاجات التي حدثت في السنوات السابقة.
إن طريقة تطور المظاهرات، وأسلوب حركة المتظاهرين، والتصريحات الصادرة من أميركا وإسرائيل، وطريقة تعاطي الصحافة العالمية مع الحدث، ومواقف الفنانين والأكاديميين ومسؤولي الدولة السابقين الذين يعيشون في أنحاء مختلفة من العالم تجاه الحدث، كلها تطورات لافتة للنظر ويجب تقييمها.
الاحتجاجات والمتظاهرون
بدأت المظاهرات في إيران أولا في “البازار الكبير” بالعاصمة طهران. قام التجار بإغلاق المحلات وتنظيم مظاهرة صغيرة بعد أن تجاوز سعر الدولار الواحد 140 ألف تومان. هذا التحرك الذي بدأ بشكل صغير في طهران، سرعان ما امتد إلى البلدات الواقعة في المنطقة الغربية من إيران بشكل خاص.
عند النظر إلى الاحتجاجات السابقة في إيران، نرى أن المظاهرات كانت تبدأ أولا في المدن الكبرى ثم تنتشر إلى البلدات والمدن الصغيرة. لكن هذه المرة، المظاهرات التي بدأت في البلدات الصغيرة وتحولت بسرعة إلى أعمال عنف، امتدت إلى المدن الكبرى بعد حوالي 10 أيام.
وعلى عكس الاحتجاجات الأخرى، نرى في المظاهرات التي لا تزال مستمرة اليوم أن أعضاء التنظيمات المشاركين في الاحتجاجات نزلوا إلى الشوارع بالأسلحة، ونفذوا هجمات، وقاموا بتسجيل الهجمات التي نفذوها بأنفسهم عبر هواتفهم ونشروها على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا أسلوب حركة لم نشهده من قبل.
كانت أعمال العنف تحدث في المظاهرات السابقة أيضا، لكنّ مرتكبي هذه الأعمال كانوا يحرصون بشدة على عدم كشف هوياتهم. ومن اللافت للنظر في هذه الأعمال ميل أولئك الذين أحرقوا المساجد والمدارس الدينية والمباني العامة والمزارات العائدة لأحفاد الأئمة إلى كشف هوياتهم.
من المؤكد أن انخراط مرتكبي أعمال العنف في تصرفات تكشف هوياتهم يتم بلا شك ضمن إطار معين.
تأثير التصريحات الأميركية على الاحتجاجات
نرى أن تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب: “إذا قتلوا المتظاهرين، فسأهاجم إيران بشدة”، قد شجع أعضاء التنظيمات المشاركين في الاحتجاجات، وجعلهم أكثر عدوانية، ودفعهم للقيام بحركات استفزازية.
سعى أعضاء المجموعات المسلحة، الذين رأوا “الدعم القوي” من الولايات المتحدة خلفهم، إلى استدراج هجمات قوات الأمن الإيرانية عليهم وإضفاء “الشرعية” على الهجمات الأميركية ضد إيران.
تم تداول مقاطع الفيديو التي صورت أثناء حرق المباني العامة والمساجد والمزارات والمدارس الدينية، وأثناء تعذيب (لينش) أفراد قوات الأمن الذين تم القبض عليهم، على الشبكات الاجتماعية لاستفزاز قوات الأمن.
من ناحية أخرى، فإن دعوة العديد من الشخصيات الأميركية، وعلى رأسهم السيناتور الأميركي ليندسي غراهام ومدير وكالة المخابرات المركزية ووزير الخارجية السابق مايك بومبيو، للرئيس ترامب للتدخل في إيران، شكلت مصدرا كبيرا لتحفيز المجموعات التي حولت الاحتجاجات إلى أعمال عنف.
ادعت صحيفة “تايمز” البريطانية أن آية الله خامنئي سيهرب إلى روسيا مع عائلته ودائرته المقربة. وذكر الخبر أن طائرات شحن روسية موجودة في طهران وسيتم نقل الذهب الموجود في البلاد.
هل استطاع بهلوي أن يكون قائدا؟
يأتي في مقدمة مشاكل المعارضة الإيرانية غياب قائد أصيل، واثق من نفسه، ويستند إلى الديناميكيات الداخلية الإيرانية. بالإضافة إلى ذلك، من الصعب جدا توحيد المعارضين الأكراد والعرب والبلوش والترك والفرس في إيران تحت سقف واحد من حيث أهدافهم.
إن عدم وجود صدى جدي لمحاولات رضا بهلوي، ابن الشاه المخلوع، ليكون زعيما لكل المعارضة المستمرة منذ سنوات، سببه أن كلا من المجموعات المعارضة تريد “إيران مختلفة”.
يحاول رضا بهلوي، الذي تصرف وكأنه القائد الطبيعي للمعارضة في أحداث مهسا أميني أيضا، إعطاء صورة مفادها “لدي تأثير قوي في إيران، ولدي دور حاسم” من خلال الدعوات التي يطلقها عبر حسابات التواصل الاجتماعي.
وجه رضا بهلوي ثلاث دعوات مهمة منذ 28 ديسمبر/كانون الأول وحتى اليوم. الأولى كانت يومي الخميس والجمعة الماضيين، حيث دعا الشعب للمشاركة بشكل أكبر في المظاهرات، وقد لوحظت زيادة في المشاركة في الاحتجاجات يومي الخميس والجمعة، لا سيما في طهران.
السؤال هو: هل زادت المشاركة في المظاهرات بسبب دعوة رضا بهلوي، أم لأنها كانت أيام عطلة؟
حيث كانت المشاركة ترتفع في أيام العطلة الأسبوعية (الخميس والجمعة) في المظاهرات التي جرت في السنوات السابقة في إيران أيضا.
أطلق رضا بهلوي تصريحه المهم الثاني في ساعات الصباح الباكر من يوم السبت الماضي. ودعا الإيرانيين للسيطرة على المباني العامة وعلى ميادين المدن. لكن الدعوة لم تلقَ الاستجابة المتوقعة. والواقع أن يوم السبت هو أول يوم عمل في إيران.
كما تم ترديد شعارات ضد كل من النظام ورضا بهلوي، خاصة في المظاهرات التي جرت في محافظة أذربيجان الإيرانية.
لاحقا، أصدر 19 تنظيما من الترك والعرب والأكراد والبلوش بيانا مشتركا أكدوا فيه أن “الفرس يحاولون سرقة حراك الشعب الإيراني”، موضحين أنهم لا يقبلون رضا بهلوي قائدا للمعارضة.
من ناحية أخرى، تعد تصريحات بهلوي التي تدعو أميركا لشن هجوم عسكري على إيران وعلاقات بهلوي مع إسرائيل من كبرى العقبات أمام كونه زعيما للمعارضة بأكملها.
تعبر الجماهير العريضة المعارضة للنظام والتي لديها اعتراضات على الإدارة في إيران عن انزعاجها من دعوة رضا بهلوي لأميركا بالهجوم ومن علاقات الصداقة الوثيقة التي تربطه بإسرائيل.
أما نهج أميركا تجاه رضا بهلوي فهو محل شك. حيث أجاب الرئيس الأميركي ترامب، في حديثه لقناة “فوكس نيوز”، عن سؤال “هل ستلتقي برضا بهلوي؟” قائلا: “علينا مراقبة الفاعلين وهم يصعدون إلى الساحة. لست مقتنعا بأن لقائي ببهلوي أمر صحيح”. هذا النهج من أميركا والرئيس ترامب يضع رضا بهلوي في نفس وضع زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو.
أما آخر دعوة مهمة لرضا بهلوي فكانت تطالب المتظاهرين بـ “السيطرة على مراكز المدن وحمايتها”، وقال إن جميع المؤسسات التي تروج للنظام وتتحمل مسؤولية قطع الاتصالات هي أهداف مشروعة. وفي تكملة لتصريحه، دعا بهلوي إلى تنظيم هجمات على مباني السفارات والقنصليات الإيرانية في الخارج، ورفع علم حقبة الشاه على المباني. وهذه الدعوة لم تجد بعد استجابة جدية.
هل ستشن الولايات المتحدة هجوما؟
يعطي مسؤولو الولايات المتحدة إشارات بالتدخل من جهة، ويدلون بتصريحات أكثر اعتدالا من جهة أخرى. ويمكن القول إن التصريحات التي تتحدث عن التدخل تهدف إلى إشعال المزيد من المظاهرات في الشوارع الإيرانية، أما التصريحات المعتدلة فتبعث برسالة للإدارة الإيرانية مفادها “اقبلوا شروطنا”.
قال الرئيس الأميركي ترامب، ردا على سؤال وُجه إليه في برنامج تلفزيوني حول مقتل المتظاهرين، إن “غالبية الوفيات لم تكن نتيجة هجوم قوات الأمن، بل نجمت عن التدافع الذي حدث”.
كما قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن لدى إيران فرصة لبدء عملية تفاوض تقبل فيها بشروط أميركا.
وأفادت الصحافة الأميركية أمس بأنه تم تقديم خيارات عديدة للرئيس ترامب بشأن التدخل في إيران، وأن الخيارات لا تشمل جميعها الهجوم العسكري، وأن الرئيس ترامب سيتخذ خيارا في الاجتماع الذي سيعقد الثلاثاء.
أخبار الصحافة حول المظاهرات
ومثلما تفعل الإدارة، تصوغ الصحافة الأميركية أخبارها لتحقيق نفس الغرض: تحريك الشوارع وزيادة الضغط على الإدارة الإيرانية.
نشرت الصحافة الأميركية والغربية، تزامنا مع استمرار المظاهرات في إيران، أخبارا تتضمن ادعاءات حساسة متعددة ذات محتوى تضليلي.
ادعت صحيفة “تايمز” البريطانية أن آية الله خامنئي سيهرب إلى روسيا مع عائلته ودائرته المقربة. وذكر الخبر أن طائرات شحن روسية موجودة في طهران وسيتم نقل الذهب الموجود في البلاد.
وخبر آخر جاء من صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية، حيث طرحت الصحيفة أن كبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، تقدموا بطلبات للحصول على تأشيرة دخول إلى فرنسا.
كما فضلت الصحافة الأميركية والإسرائيلية نشر أخبار تضليلية حول المظاهرات في إيران.
في الواقع، تهدف هذه الأخبار إلى تصعيد التوتر داخل إيران من خلال إيصال رسالة مفادها أن “النظام على وشك السقوط”. ولكن نظرا لأن الأخبار لم تستند إلى أي معلومات حقيقية أو أدلة، فإنها لم تخلق مصداقية جدية داخل إيران أو في العالم. إذ لم يفضل المسؤولون الإيرانيون حتى تكذيب هذه الأخبار. ومع ذلك، تم تداول الأخبار بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى تشوش لفترة قصيرة.
كيف تقيم إيران الأحداث؟
لدى إيران رد فعل نمطي تجاه الأحداث الاجتماعية، وهو: “عملاء مدعومون من أعداء إيران يثيرون الفوضى في الشوارع”.
يمكن قبول هذا النهج إلى حد ما فيما يتعلق بالأحداث الأخيرة. إذ إن الدعم القوي من أميركا وإسرائيل، وكذلك الهجمات الإستراتيجية لعملاء الموساد داخل إيران خلال “حرب الـ 12 يوما”، يدعمان هذا الفهم.
صرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فيما يتعلق بالأحداث الأخيرة بأن “إرهابيين قادمين من خارج إيران يطلقون النار في كل مكان، ويحرقون المساجد. وأكد بزشكيان أن أعمال العنف داخل البلاد ينفذها عملاء وإرهابيون قادمون من الخارج.
نهج تقليدي آخر للإدارة الإيرانية في تقييم الأحداث هو عدم القيام بالنقد الذاتي، بأي شكل من الأشكال.
ورغم أن الرئيس الإيراني بزشكيان، بشخصيته المختلفة، مارس هذا النقد الذاتي قائلا إنهم “مخطئون أيضا، وأنه ليس من الصحيح انتقاد الولايات المتحدة وإسرائيل في كل حدث، ويجب الفصل بين المتظاهرين والمتمردين”.
بيد أن قادة الحرس الثوري وكبار المسؤولين الآخرين، بمن فيهم آية الله خامنئي، لم يفعلوا ذلك. فقد قاموا بالبحث لكل سلبية عن سبب خارج البلاد؛ لأنهم يرون النقد الذاتي ضعفا، وهو نهج لم يعد مقبولا من قبل الشعب الإيراني.
هل أغلق طريق الدبلوماسية؟
تشير التصريحات الصادرة من الجانبين: الإيراني والأميركي، إلى أن طريق الدبلوماسية لم يستنفد تماما.
أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني غريب آبادي عن تلقي رسائل من الولايات المتحدة بشأن المفاوضات. وقال إن إيران لا تعترض على مفاوضات تفضي إلى نتائج. كما أعلن الرئيس الأميركي ترامب أنه تلقى رسالة من إيران بشأن التفاوض.
وذكر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن خط الاتصال بين الممثل الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، مفتوح.
وفي ظل استمرار هذه الأجواء الفوضوية في إيران، زار وزير الخارجية الإيراني لبنان. وذكرت الخارجية الإيرانية في بيان رسمي أنه ناقش العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية مع الرئيس اللبناني ومسؤولين آخرين.
نقل لي مصدران مطلعان، أحدهما من إيران والآخر من لبنان طلبا عدم الكشف عن اسميهما، أن إيران أرسلت رسالة إلى واشنطن عبر الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي كان على اتصال مكثف مع الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بشأن نزع سلاح حزب الله.
أما وزير خارجية عمان، الوسيط في المفاوضات النووية، فقد زار طهران في اليوم السابق. وقُرئت زيارة وزير الخارجية العماني لطهران على أنها “نقل لرسالة من أميركا”.
الاحتمالات؟
السؤال الأهم بخصوص التطورات في إيران هو: إذا شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما بينما المظاهرات مستمرة، فما هي التطورات المتوقعة في إيران؟
في هذا الإطار، يمكن تقييم التطورات المحتملة في إيران تحت ثلاثة عناوين:
أولا، رغم أنه احتمال قوي، فإن شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما عسكريا على إيران ليس مؤكدا.
قد يفضل الرئيس الأميركي ترامب تفعيل عناصر ضغط مختلفة بدلا من الهجوم العسكري. سيؤدي مثل هذا القرار إلى إحباط معنويات المتظاهرين وسيجلب تهدئة أسرع للشوارع؛ لأن المجموعات المعارضة في إيران تركز بشكل مطلق على تدخل عسكري؛ بسبب تصريحات الرئيس ترامب والسيناتور غراهام ومسؤولين آخرين ورضا بهلوي.
إن استبعاد خيار التدخل العسكري سيؤدي إلى انهيار معنوي خطير لدى المجموعات المعارضة.
إن شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما عسكريا بينما المظاهرات مستمرة في إيران قد يتسبب في زيادة حراك الشوارع. وأثناء استمرار الهجمات العسكرية، فإن تصعيد المجموعات المعارضة لهجمات العنف سيؤدي إلى نزول أنصار الثورة ومجموعات “البسيج” إلى الشوارع. مثل هذا الوضع قد يجلب معه اشتباكات شوارع قد تؤدي إلى حرب أهلية يفقد فيها آلاف الأشخاص حياتهم.
كما حدث في حرب الـ12 يوما، قد يؤدي ارتفاع صوت قوي ضد التدخل الخارجي بعد هجوم أميركي وإسرائيلي أثناء استمرار المظاهرات في إيران إلى بقاء عدد قليل جدا من أعضاء التنظيمات الهامشية في الشوارع.
ومع انسحاب السكان المدنيين من الشوارع، فإن الأشخاص الهامشيين والموالين للعنف الذين سيبقون في الشوارع سيواجهون قوات الأمن بشكل مباشر.
ما هو الحل؟
تجد كوادر الدولة الإيرانية وحوزة قم صعوبة كبيرة منذ فترة طويلة في إيجاد حلول لمشاكل البلاد. النخب العلمية والسياسية التي تعتقد أن الثورة التي حدثت عام 1979 قد تجذرت الآن بكل جوانبها في البلاد، تفضل تأجيل المشاكل والتستر عليها بدلا من حلها.
الملايين الذين لا يجدون مكانا في أي مجال من مجالات الحياة السياسية سوى الذهاب إلى صناديق الاقتراع والتصويت كل بضع سنوات، لا يجدون حل المشاكل في صناديق الاقتراع. ولهذا السبب، تنخفض نسبة المشاركة في الانتخابات في الدورات المتتالية.
كذلك، وبينما لا يتم حل الصعوبات الاقتصادية للشعب، فإن إثراء الكادر الإداري والمقربين منه قد أضعف إيمان الشعب بالإدارة يوما بعد يوم. وبينما تستمر المشاكل الاقتصادية الخطيرة للشعب وتزداد عمقا كل يوم، أصبح ازدياد الفساد وعدم اتخاذ خطوات جدية لمنع الفساد أحد الأسباب الرئيسية لاعتراضات الشعب.
لقد سئم الشعب الإيراني من المسؤولين الذين يربطون كل سلبية بالولايات المتحدة وإسرائيل، ولم يعد يصدق تصريحاتهم هذه.
وبالتالي، يجب على إيران بعد تجاوز هذه الفترة العصيبة التي تمر بها، اتخاذ خطوات جدية وإجراء إصلاحات في المجالات التالية:
1- على الرغم من وجود أحزاب سياسية في إيران، فإنها صورية، ليس لها وجود جدي في الحياة السياسية. لذلك، يجب على إيران إجراء ترتيبات تعيد تشكيل الحياة السياسية في البلاد من خلال تنظيم قانون الأحزاب السياسية.
من خلال الترتيبات القانونية التي سيتم إجراؤها، يجب أن تتمكن الأحزاب السياسية من خوض الانتخابات، والتنظيم في البلاد، ولعب أدوار مراقبة في صناديق الاقتراع يوم الانتخابات، والتواجد في البرلمان الإيراني.
هذا الترتيب سيمنح الشعب الإيراني فرصة الوجود في السياسة الإيرانية ليس فقط في الانتخابات بل في جميع الأوقات الأخرى. وبذلك ستزداد ثقة الشعب الإيراني بصندوق الاقتراع وبالسياسة، وسيبحث عن حل المشاكل في الصندوق والسياسة وليس في الشارع.
2- يجب مكافحة الفساد بحزم. ولا يمكن اتخاذ قرار هذه المكافحة الحازمة إلا من قبل آية الله خامنئي. إذ كما كشف التسجيل الصوتي المسرب في عام 2021، فإن الفساد في إيران قد طال حتى القيادة العليا للحرس الثوري.
3- يجب البدء بفترة نقد ذاتي صادقة بشأن التدهور الاقتصادي وجميع المشاكل الأخرى. بنفس القدر الذي يتم فيه انتقاد الولايات المتحدة وإسرائيل، يجب على الإدارة الإيرانية أن تنتقد نفسها أيضا، وأن تعالج أخطاءها ونواقصها.
النقد الذاتي الصادق من كبار المسؤولين، بمن فيهم آية الله خامنئي، سيغذي الأمل في تحسن المشاكل في البلاد.
4- يجب على إيران تحديث سياستها الإقليمية، وتقليل اهتمامها بالمنطقة والتوجه نحو الداخل. من المستحيل على إيران التي تنفق الجزء الأكبر من قوتها خارج البلاد أن تحل مشاكلها الداخلية.
5- تحتاج إيران إلى استراحة لحل مشاكلها الداخلية. وهذا يتطلب التوصل إلى اتفاق مع أميركا من خلال تقديم بعض التنازلات في قضايا معينة. برأيي، لقد بدأت فترة “صلح الحديبية” بالنسبة لإيران، وستضطر لاتخاذ بعض الخطوات حتى لو لم تكن ترغب بذلك من أجل مستقبل النظام.
6- يجب أن يكون علماء الدين في حوزة قم أيضا في خضم دراسات تساهم في حلول السياسيين. تعاني حوزة قم من ركود جدي في الإنتاج الفكري والعلمي منذ فترة طويلة.
من أجل حل مشاكل إيران، يجب التخلي عن الانشغال بالمشاكل التاريخية التي يتم الحديث عنها منذ ألف عام، والتركيز على حل المشاكل الحالية.

5 خيارات أمام أوروبا لحماية غرينلاند من ترامب
الطفولة المؤدلجةالمعسكرات الصيفية الحوثية تصادر عقول الصغار
غزة تموت ببطء تحت الحصار والبرد: إبادة صامتة في خيام النزوح
غزة تحت وطأة الإنفلونزا القاتلة: وباء صامت يفتك بالسكان في ظل حصار وانهيار صحي غير مسبوق