أحمد كامل
في كتابه “مأساة سياسات القوى العظمى” يشرح جون ميرشايمر أن الدول الكبرى في النظام الدولي تسعى بطبيعتها إلى الهيمنة الإقليمية، وتعمل دومًا على إضعاف منافسيها دون الدخول في مواجهة مباشرة. فالنظام الدولي، في نظره، يقوم على فوضى بنيوية تجعل البقاء رهينًا بقدرة الدولة على تحجيم خصومها قبل أن يتمكنوا من تهديدها.
وفي غياب سلطةٍ مركزية تفرض النظام، يصبح المنطق الواقعي هو قانون القوة: من لا يهاجِم، يُهاجَم. ومن هذا المنطلق، بلور ميرشايمر أحد أكثر المفاهيم دهاءً في الفكر الجيوسياسي الحديث، وهو ما يُعرف بإستراتيجية “دفع الخصوم إلى الصراع وتركهم ينهكون بعضهم بعضًا”.
وتقوم هذه الإستراتيجية على مبدأ بسيط لكنه شديد الفاعلية، فبدلًا من خوض حربٍ مباشرة، تعمل الدولة على دفع خصمين أو أكثر للاشتباك فيما بينهم، ليستنزف كلٌّ منهم الآخر عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا. أما هي فتبقى متفرجة، محتفظةً بمواردها وقوتها، مستفيدةً من توازن جديد تُصاغ ملامحه دون خوض معركة.
ويُفرّق ميرشايمر بين هذه الإستراتيجية ونظيرتها المسماة “نزف الدماء” التي تقوم على إطالة أمد حرب قائمة بدل إشعالها من الأساس، والحيلولة دون تحقيق أي من الطرفين نصرا حاسما. وبهذا تمثل هذه الإستراتيجيات “أذكى” أشكال الحرب غير المباشرة، فالمعركة هنا لا تُخاض بالسلاح، بل بالتخطيط طويل المدى والتلاعب بتوازنات القوى.
حرب × 3 نوايا
هذه الفلسفة تجسدت بوضوح في سياسة بريطانيا خلال القرن الـ19، حين عملت على تأجيج التنافس والحروب بين فرنسا وألمانيا داخل القارة الأوروبية، حرصًا على ألا تبرز أيٌّ منهما كقوة مهيمنة يمكن أن تهدد مصالحها أو تخلّ بتوازن القوى الذي ضَمِن لبريطانيا موقعها الإمبراطوري.
كما يرى ميرشماير إلى أن هذا النهج لم يكن حكرًا على بريطانيا، بل تبنّته قوى أخرى في مراحل مختلفة من التاريخ الحديث. فخلال الحرب العالمية الثانية، عبّر السيناتور الأميركي والرئيس فيما بعد هاري ترومان عن منطقٍ مشابه عندما قال عام 1941، عقب الغزو النازي للاتحاد السوفياتي “إذا رأينا أن ألمانيا ستنتصر، فعلينا أن نساعد روسيا، وإذا رأينا أن روسيا ستنتصر، فعلينا أن نساعد ألمانيا، وبهذه الطريقة ندعهما يقتلان أكبر عدد ممكن”.
أما اليوم، فتبدو الحرب الأوكرانية تجسيدًا معاصرًا للمنطق ذاته، إذ شهدت تحولًا عميقًا خلال السنوات الماضية، تجاوزت به كونها نزاعا إقليميا محدودًا لتصبح ساحة مكتظة بتقاطع مصالح القوى الكبرى على مستوى العالم.
فلم تعد كييف وموسكو وحدهما الطرفين الفاعلين في المعادلة، بل أصبحت أرض أوكرانيا مسرحًا لتصفية حسابات بين أقطابٍ من الشرق والغرب، تتقدّمها 3 إرادات كبرى: روسيا التي تحاول ترميم هيمنتها الإقليمية واستعادة مكانتها كقوة أوراسية عظمى، الولايات المتحدة وحلف الناتو اللذان يسعيان إلى إضعاف موسكو دون الانخراط في مواجهةٍ مباشرة، ثم الصين التي تراقب المشهد بعينٍ إستراتيجية، تدعم حينًا وتوازن حينًا آخر، وفقًا لمعادلةٍ تحافظ على مكاسبها الاقتصادية وتُبقي روسيا في مدار نفوذها.
وهذا التداخل بين القوى العالمية جعل من الحرب الأوكرانية نموذجا متكاملا لحرب بالوكالة، تُستخدم فيها أوكرانيا وروسيا كأدواتٍ في صراع أوسع يحدد شكل النظام الدولي القادم.
وأبعد من ذلك، إذ نشر مركز “راند” الأميركي تحليلا في نوفمبر/تشرين ثاني 2024، خلص خلاله إلى أن هذه الحرب باتت ساحة مواجهة غير مباشرة بين قوى آسيا نفسها، بعدما شاركت فيها أطراف من شرق القارة على نحو غير مسبوق، فالصين تمدّ روسيا بالمكونات الحيوية لتجاوز وطأة العقوبات، وكوريا الشمالية أرسلت نحو 10 آلاف جندي ومئات الصواريخ والمدفعيات لدعم موسكو، مقابل اليابان وكوريا الجنوبية اللتين اصطفّتا إلى جانب الغرب، وقدّمتا مساعدات مالية وتقنية ودفاعية لأوكرانيا.

الصين لا تبدو برأي البعض راغبة في نصرٍ روسيٍ حاسم يغير موازين القوة بل ربما تفضّل بقاء موسكو في حالة انشغال مستمر (الأناضول)
وهذه المشاركة المتشابكة، كما يقول جيفري هورنونغ المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في شرق آسيا، جعلت من أوكرانيا ميدانًا يُعبّر عن صراعٍ آسيوي أوروبي متداخل، لا يقتصر على حدود الجغرافيا بل يمتد إلى بنية النظام العالمي ذاته.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يريد الغرب حقًا أن تنتهي هذه الحرب؟ فواشنطن ترى في استمرارها وسيلةً لاستنزاف روسيا ومنعها من إعادة بناء قوتها العسكرية، كما عبّر وزير الدفاع الأميركي السابق لويد أوستن حين قال إن بلاده “تريد أن ترى روسيا ضعيفة”.
وفي المقابل، لا تبدو الصين في رأي البعض راغبة في نصرٍ روسيٍ حاسم، يغير موازين القوة، بل ربما تفضّل بقاء موسكو في حالة انشغال مستمر تجعلها أكثر اعتمادًا على اقتصادها وتكنولوجيتها، وأكثر حاجةً لحمايتها الدبلوماسية في مواجهة الغرب، وفي نفس الوقت لا تريد للغرب أن ينتصر ويتمدد في تلك الجغرافيا الساخنة، ويرى محللون أن استمرار الحرب قد يصبّ في صالح الصين، بما يترتب عليه من انهماك الولايات المتحدة بتغذية أوكرانيا وإبعاد انتباهها ومواردها عن المحور الآسيوي.
وفي الوقت نفسه، تتقاطع مصالح أخرى لا تقل أهمية، فشركات السلاح الغربية تجني أرباحًا هائلة من الطفرة في الطلب على الذخائر والمعدات، بينما تستغل الصين وبلدان أخرى الحرب لتوسيع تجارتها ذات الاستخدام المزدوج وإعادة رسم سلاسل الإمداد التكنولوجية، بما يخدم موقعها في الاقتصاد العالمي.
وبمعنى أوضح فإن معيار النصر والهزيمة في حرب كهذه له أوجه كثيرة، والقوى الكبرى تسعى لنتائج تناسب مقاييسها، وهذه المقاييس قد لا تتطابق إلى حد ما مع ما ترجوه القوتان المتصارعتان.
الصين ونتائج الحرب
تؤكد الأرقام أن تحالف موسكو وبكين دخل طورًا جديدًا تميل فيه الكفة بوضوح لصالح الأخيرة. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين نحو 240 مليار دولار عام 2024، غير أن حجم التجارة يخفي واقعًا أكثر حسمًا، فالصين تمثل نحو 36% من واردات روسيا بينما لا تتجاوز حصة الأخيرة من التجارة الصينية 5-6% فقط، وهو تباين يكشف عن علاقة غير متكافئة، تجعل موسكو شريكًا تابعًا اقتصادياً وتقنياً، وبكين الطرف المسيطر الذي يملك أدوات النفوذ والاستفادة الإستراتيجية من اتساع رقعة الحرب واستمرارها.
وقد تجسدت هذه التبعية في مشاريع اقتصادية كبرى. فقد ملأت الصين الفراغ الذي تركته الشركات الأوروبية المنسحبة من السوق الروسية، واشترت حصصًا في قطاعات الطاقة والمصارف، وفرضت شروطًا مريحة لها في مشاريع إستراتيجية مثل خط الغاز “قوة سيبيريا 2”.
وتشير تحليلات مؤسسة “ديلفي غلوبال” إلى أن بكين تطيل المفاوضات عمدًا لاستغلال حاجة موسكو الماسّة لتصريف غازها. أما على المستوى التقني، فقد عمّقت الحرب في انتشار التكنولوجيا الصينية داخل روسيا. فقد أصبحت الشركات الصينية المورّد الأساسي للمكونات الدقيقة التي تدخل في تصنيع الأسلحة، وتشكل نحو 90% من واردات موسكو في هذا القطاع، بينما تؤمّن الصين أيضًا ما يقارب 70% من أدوات التصنيع الميكانيكي اللازمة للصناعات العسكرية.
كما ملأت شركات مثل “هواوي” و”زد تي إي” الفراغ الذي خلفه انسحاب الشركات الغربية، مما أثار مخاوف روسية من تحول هذا الاعتماد إلى تبعية تكنولوجية طويلة الأمد.
وبحسب جريدة واشنطن بوست، زادت الصين بشكل كبير من شحنات الأجزاء الحيوية المستخدمة في بناء الطائرات بدون طيار التي تستخدمها القوات الروسية، ومنها كابلات الألياف الضوئية التي تُعدّ أساسية في أنظمة الاتصال والتوجيه لتلك الطائرات. فقد ارتفعت كمية هذه الكابلات المصدّرة من الصين إلى روسيا لتبلغ نحو 328 ألف ميل في أغسطس/آب 2025، مما يمثل رقمًا قياسيًا. كما زودت بكين روسيا بما يقرب من 47 مليون دولار من بطاريات الليثيوم أيون في الشهر نفسه.
من مصانع بكين لجبهة دونباس
فضلًا عن ذلك، أبرزت تقارير غربية سفر خبراء صينيين إلى روسيا للمشاركة في أعمال تطوير تقني داخل مصانع طائرات مسيّرة مملوكة للدولة. وقد زار هؤلاء الخبراء شركة “آي إي إم زد كوبول” الروسية (IEMZ Kupol) حيث تعاونوا مع مهندسيها في تطوير طائرة هجومية جديدة تُعرف باسم “غاربيا-3” وهي نموذج متقدّم من المُسيرة الروسية “غاربيا-1” يعتمد على أنظمة توجيه واستشعار صينية الصنع، إضافةً إلى مكونات إلكترونية دقيقة لا تمتلك روسيا قدرة محلية على إنتاجها بنفس الكفاءة بعد العقوبات الغربية.
وتصنف “غاربيا-3” كطائرة هجومية انتحارية (كاميكازي) تُستخدم مرة واحدة، فقد صُممت للانقضاض على هدفها والانفجار عند الاصطدام. وتُقدَّر مواصفاتها بحمولة تقارب 50 كيلوغراما ومدى تشغيلي يبلغ حوالي 1900 كيلومتر، مما يمنحها قدرة ضاربة بعيدة المدى تفوق معظم المسيرات الروسية التقليدية.
وتشير مصادر استخباراتية أوروبية إلى أن شركة روسية تُدعى “تي إس كيه فيكتور” لعبت دور الوسيط بين الجانبين، إذ استلمت المكونات الصينية وأشرفت على تجميعها داخل روسيا. وتُستخدم “غاربيا-3” اليوم على نطاق واسع في جبهات القتال بأوكرانيا، حيث تُطلق موسكو -وفق تقديرات كييف- ما يقارب 500 طائرة من هذا الطراز شهريًا لاستهداف مواقع البنية التحتية والمخازن العسكرية الأوكرانية.
وتعد هذه الطائرة -التي تمزج بين التكنولوجيا الصينية وخبرة التصنيع الروسية- رمزًا عمليًا للتحالف التقني بين بكين وموسكو، كما تمثل مؤشرًا على التحول المتزايد في الاعتماد الروسي على الابتكارات الصينية في ميدان القتال، في وقت تتآكل فيه قدرات الصناعات الدفاعية الروسية تحت وطأة العقوبات الغربية.
ويرى خبراء أن “غاربيا-3” أحد الأسلحة التي تُعيد رسم قواعد الاشتباك، فمدى ضرباتها يصل إلى خطوط الإمداد والمخازن البعيدة والمرافق الحيوية، بما يضطر الطرف المدافع إلى إعادة توزيع قواته وإطالة مسارات الإمداد. في حين أن الإطلاق المكثف لهذا السلاح يُرهق الدفاعات الجوية ويستنزف صواريخ الاعتراض والذخائر، كما يعطّل المخزون المركزي من الذخائر ويُلحق ضررًا بالبنية التحتية الحيوية.
وبما أن “غاربيا-3″ سلاح انتحاري اقتصادي التكلفة، فإن ذلك يُسهّل أداء هجمات متكررة ومنتظمة، مما يُعقّد حسابات الردّ ويطيل أمد النزاع نحو شكل من الصراع يمكن تسميته بـ”حرب استنزاف تكنولوجي” أي استنزاف قدرة الخصم عبر استهداف بنيته التكنولوجية واللوجستية بدلًا من البحث عن حسم ميداني حاسم.
وقد أشارت وكالة رويترز أن وزارة الدفاع الروسية رفضت الرد على طلب لتعقيب حول هذا الموضوع، في وقت قالت الخارجية الصينية -في بيان لرويترز- إن بكين تراقب بكل صرامة تصدير المواد ذات الاستخدامات العسكرية المحتملة، بما في ذلك الطائرات المسيرة.
أما على مستوى التبادل الاستخباراتي، فقد كشفت تقارير غربية أن الصين تقدّم لروسيا دعمًا استخباراتيًا متزايدًا، يُمكّن الجيش الروسي من تحديد أهدافه بدقة أعلى وتنفيذ ضربات أكثر فعالية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، نقل المجلس الأطلسي عن مسؤول استخباراتي أوكراني تأكيده أن بكين بدأت تزويد موسكو بصور أقمار صناعية عالية الدقة لمواقع أوكرانية، بغرض استخدامها في توجيه الضربات الصاروخية.
ولا تعد هذه الاتهامات الأولى من نوعها، فقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية عام 2023 عقوبات على 7 شركات صينية للاشتباه في تقديمها “صورًا فضائية عالية الوضوح”.
ويظل جزء من هذه الحقيقة ناقصا طالما لم تكتمل عناصر الرواية من الجانب الروسي والصيني. لكن غياب جزء من التفاصيل لا يعمي أبدا عن رؤية الحقائق الإستراتيجية على الأرض، وفهم فضاءات التحالف والتخاصم التي تجمع هذه القوى، وطبيعة التصادم الجاري لحسم موازين القوى لكل طرف.
استنزاف موسكو وترويض أوروبا
على جانبٍ آخر، لا تؤدي إطالة أمد النزاع إلى استنزاف القوة الروسية فحسب، بل تنسجم أيضًا مع الرؤية الأميركية الرامية إلى إبقاء أوروبا منخرطة في عبء الحرب. فمن هذا المنظور، تُحقّق واشنطن هدفين في آن واحد: إضعاف موسكو تدريجيًا من جهة، وإشغال أوروبا اقتصاديًا وسياسيًا من جهة أخرى، بحيث تظل تابعة للمظلّة الأمنية الأميركية وغير قادرة على بلورة سياسة دفاعية مستقلة.

فمع استمرار موسكو في القتال، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى إعادة تسليح أوكرانيا باستمرار، فضلا عن الاستعداد لموجات جديدة من التهديدات الروسية، مما يعني استنزاف مواردها الصناعية والمالية، لتتحول الحرب -وفقا للنظرة الأميركية- إلى أداة مزدوجة لإضعاف الخصم الروسي وضبط “الشريك الأوروبي” داخل المنظومة الأطلسية.
فوفقا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تسلّمت دول الناتو الأوروبية خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من 150 مقاتلة وأكثر من 60 مروحية هجومية من الولايات المتحدة. بينما كانت تمتلك حتى نهاية عام 2024، طلبات شراء إضافية لنحو 472 مقاتلة و150 مروحية قتالية أخرى من الشركات الأميركية.
وتعكس هذه الأرقام بوضوح مدى اعتماد أوروبا الدفاعي المتزايد على واشنطن، لا سيما في مجال القوة الجوية المتقدمة التي تُشكّل العمود الفقري لقدرات الناتو الهجومية والدفاعية، كما أن متطلبات صيانة هذه القوة الجوية تلزم أوروبا بالارتباط أكثر بالبنية اللوجستية والتكنولوجية الأميركية، مما يُرسّخ بدوره النفوذ الأميركي داخل المنظومة العسكرية الأوروبية.
وأبعد من ذلك، تُظهر بيانات معهد “كيل للاقتصاد العالمي” أن أوروبا باتت المموّل العسكري الأول لأوكرانيا عام 2025، إذ بلغ حجم المساعدات الدفاعية عبر عقود إنتاج وتسليح نحو 35.1 مليار يورو حتى يونيو/حزيران، متجاوزة الولايات المتحدة التي قدّمت دعمًا مباشرًا أقل حجمًا.
وجاءت مساهمات بارزة من ألمانيا والنرويج وبلجيكا، في حين رفعت بريطانيا التزامها العسكري الإجمالي إلى نحو 13 مليار جنيه إسترليني منها 4.5 مليارات عام 2025 لتوريد المُسيّرات والرادارات وقطع الغيار الحيوية.
وبذلك، تُحقّق واشنطن أهدافها بأقل تكلفة مباشرة، إذ تُدار إستراتيجية استنزاف موسكو عبر الأذرع الأوروبية، بينما تستفيد شركات الصناعات الدفاعية الأميركية من عقود التسليح والصيانة والتحديث، وهو ما يؤكده معهد الدراسات الإستراتيجية والدولية الذي يشير إلى أن دعم واشنطن لكييف شكّل فرصة تاريخية لإحياء قاعدة الصناعة الدفاعية الأميركية، حيث ظهر جليًّا أنّ شركات السلاح الأميركية وجدت في هذا الواقع فرصةً غير مسبوقة لتعظيم أرباحها وتوسيع نفوذها العالمي.
فبحسب التقارير، حققت شركات مثل “لوكهيد مارتن” و”آر تي إكس” أرباحًا قياسية، مدفوعة بالطلب المتزايد على الأسلحة نتيجة الحرب في أوكرانيا، منها عقود ضخمة لإنتاج مقاتلات “إف-35” وأنظمة دفاع صاروخي لعدد من الحلفاء، بسبب رغبة هذه الدول في بناء مخزون إستراتيجي واسع تحسّبًا لأي انتكاسات أمنية محتملة.
وفي المحصلة، تكشف الحرب الأوكرانية عن تحوّلٍ جذري في طبيعة الصراعات الحديثة: صراعات لا تُخاض لحسمٍ سريع، بل لإدارة ميزان القوى عبر الاستنزاف الممنهج. فروسيا تُنزف ببطء في الميدان، وأوروبا تُستنزف اقتصاديًا وسياسيًا داخل عباءة الناتو، في وقت تعيد واشنطن بناء صناعتها العسكرية وتُثبّت قيادتها للتحالف الغربي.
وفي المقابل، تُوسّع الصين نفوذها الاقتصادي والتقني على حساب موسكو، وتكتسب من الحرب خبرات ومكاسب إستراتيجية تجعلها الرابح الهادئ في لعبة الاستنزاف الكبرى.







