تقارير
أخر الأخبار

“ذئاب في طهران”.. شبكة الجواسيس التي مهدت الطريق لقتل خامنئي

المهدي الزايداوي

“حيث لا تدبير، يسقط الشعب، لكن في كثرة المشيرين سلامة”.  بواسطة (سفر الأمثال 11:14)

هذا مشهد تخيلي تماما ولكنه حقيقي تماما: رجل مجهول، لا أحد يعرف هويته، يتواجد في أكثر مكان تدور حوله الأسئلة، مكان قتل فيه للتو إحدى أهم الشخصيات في تاريخ الشرق الأوسط، “آية الله علي خامنئي”، ظل المهدي في الأرض وخليفته، حسب ما يعتقد ملايين المسلمين الشيعة، في إيران وخارجها.

يخرج هذا الرجل، أو “العنصر الاستخباراتي” كما وصته وسائل الإعلام العبرية، هاتفه من جيبه، يصور صورة أو يلتقط مقطع فيديو يساوي الكثير من عالم اليوم المتغير، يظهر انتشال جثة خامنئي، يرسلها إلى جهة ما، ولكنها تصل في النهاية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وإلى الرئيس الأمريكي ترمب، يسرب الأول الخبر عبر “مسؤول رفيع المستوى”، ويخرج الثاني ليؤكد أن خامنئي مات، وأن المستقبل للإيرانيين، وللسلام، أو هكذا يدعي.

بعد ساعات، خرجت إيران لتؤكد رسميا مقتل القائد الأعلى للثورة وأن قنابل الأمريكيين والإسرائيليين قد نالت منه. وكما يبدو، فالرجل لم يكن محاطا ببعض رجاله وأفراد أسرته فقط، بل غير بعيد عنه، كانت أعين الجواسيس تتربص به، فكانوا إليه أقرب من بعض رجاله المخلصين، ربما شاركوا أنفسهم في قتله عن طريق معلومات سابقة منحوها للأعداء، وربما لم يشاركوا لكن المؤكد أنهم كانوا حاضرين عند أقرب نقطة إلى قلب الحدث.

يبدو المشهد دراميا للغاية، جسد “آية الله” ملقى بعد أن نالت منه القنابل، وأرهقته السنون الطويلة من ترؤس نظام يعتبر عدوا عظيما لأمريكا والغرب، في الخلفية، تبدو طهران أيضا مرهقة جدا، اخترقها الجواسيس من كل مكان، وتسللوا إلى مفاصلها واقتربوا من قياداتها، ووصلوا إلى رجال كانوا يدينون لها بالولاء، ولأمريكا بالعداء، لم يكن أولهم عماد مغنية، وربما لن يكون خامنئي نفسه آخرهم.

بين الدعاية والحقيقة.. ما الموساد؟

حين يتعلق الأمر بأعمال الجاسوسية والاغتيالات والاختراقات المنظمة لصفوف خصومها، لا تعترف إسرائيل إلا نادرا بما تقترفه يداها، ليس ذلك من قبيل عدم التورط في مشاكل قانونية فحسب، بل أيضا من أجل الحفاظ على هالة الغموض التي دائما ما تحاول إحاطة نفسها بها، لكن هذه المرة تحديدا، كان الغرور أكثر إلحاحا من الغموض.

فبمجرد أن مسَّت النيران الإسرائيلية الجمهورية الإسلامية في إيران يوم 13 يونيو/حزيران الماضي، لم تستطع إسرائيل كبح جماح غرورها، فأعلنت دون مواربة نسبة جزء كبير من الفضل في نجاحها إلى جواسيسها الذين يخترقون أراضي إيران. لم تكن تلك هي البداية، فسرعان ما نقلت التقارير الصحفية تفاصيل اختراق عملاء الموساد لبرامج إيرانية حساسة مثل الصواريخ والأسلحة النووية. لا عجب إذن أن أولت طهران هذه المسألة جل اهتمامها بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها.

على سبيل المثال، أشارت صحيفة “الغارديان” البريطانية إلى أن إيران اعتقلت منذ اندلاع المواجهة مع إسرائيل نحو 700 عميل، بعضهم أُعدِم كما أعلنت طهران نفسها. إلا أن هذا العدد لا يحكي كل الحكاية، فالمعركة في الظلام بين تل أبيب وطهران عميقة ومتشعِّبة، حيث كل شيء متاح لاقتحام شبكات الخصم، وهي معركة نقرأ منها اليوم خمسة فصول، ولا يزال لها فصول أخرى تُكتَب بالقليل من الحبر والكثير من الدم.

عموما، لكل صورته المتخيلة عن الموساد، صورة في الغالب فيها الكثير من الخيال وبعض من الحقيقة. ويرتبط الموساد في الصورة الذهنية بكونه “جهازا قويا وخطيرا، قادرا على الوصول إلى أعدائه في كل مكان”، وقد بدأ عمله بعملية مبهرة حينما كان يصيد النازيين الواحد تلو الآخر كما تقول أسطورته. ولكن دعونا الآن نبحث عن تعريف أكثر واقعية، وأبعد عن الصور الذهنية التي تحمل في طياتها الكثير من المبالغة، ولنبدأ من المعلومات المتاحة.

الاسم الرسمي للموساد هو “معهد الاستخبارات والمهام الخاصة”، وقد تأسس في ديسمبر/كانون الأول 1949 بأمر من رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها ديفيد بن غوريون، وذلك لأنه كان يرى أن إسرائيل هي دولة صاعدة فتية وسط بيئة جيوسياسية معادية لها، ولذا من الضروري العمل على تطوير جناح استخباري متطور لحماية الكيان الوليد.

في ذلك الوقت، كلف بن غوريون “رؤوفين شيلواح”، المدير الأول للموساد، فنظم وقاد هذا الجهاز وسهر على تنسيق الجهود بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المختلفة، وهي الاستخبارات العسكرية (أمان) وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك). وضع شيلواح في تلك الفترة اللبنات الأولى للموساد من تركيز على جمع المعلومات الاستخبارية، ومكافحة التجسس، والعمليات السرية، ومن ثم بدأ الموساد في بناء شبكة عالمية من العملاء شكلت العمود الأساسي في عملياته الخارجية.

ويلخص الموساد فلسفته في شعاره ذي الجذور الدينية العميقة: “حيث لا تدبير، يسقط الشعب، لكن في كثرة المشيرين سلامة” (سفر الأمثال 11:14)، وهو اقتباس يعني أن الأولوية دائما لاتخاذ التدابير الاستباقية الوقائية حتى لا تتحول التهديدات إلى أخطار وجودية، ولذلك أضحى الموساد ركيزة أساسية في استراتيجية الدفاع الإسرائيلية الحالية، كما اتضح من الحرب السابقة مع إيران (يونيو/حزيران 2025) والحرب الراهنة كذلك.

“لقد فشل الموساد في الكثير من العمليات بطبيعة الحال، لكن العمليات التي نجح فيها رسمت له صورة على أنه لا يقهر ويصل إلى ما يريد مهما يكن الخصم”.

حقق الموساد نجاحا كبيرا وسريعا بلغ ذروته في القبض على الضابط النازي الشهير أدولف أيخمان عام 1960، وشكلت هذه الصفحة لحظة محورية في قدرة الموساد على تنفيذ العمليات المعقدة ذات المخاطر العالية، خصوصا أن العملية كانت بعيدة عن فلسطين المحتلة، هناك في الأرجنتين حيث آخر العالم. لقد فشل الموساد في الكثير من العمليات بطبيعة الحال، لكن العمليات التي نجح فيها رسمت له صورة على أنه لا يقهر ويصل إلى ما يريد مهما يكن الخصم، خصوصا تلك العمليات التي استهدف خلالها الأشخاص المعادين من خلال “الاغتيال” أو “الاختطاف”. وقد ظل ذلك النوع من العمليات حجر أساس في استراتيجية إسرائيل الخارجية، وظهرت آثار ذلك في الاستراتيجية طويلة الأمد التي نفذتها تل أبيب تجاه المشروع النووي الإيراني، حيث اغتالت إسرائيل العديد من العلماء النوويين الإيرانيين من أجل إبطاء تطور المشروع.

وصل الإسرائيليون إلى لائحة طويلة من العلماء الإيرانيين، من أبرزهم أردشير حسين بور، الذي قتل عام 2007 بسبب تسمم إشعاعي، ومسعود علي محمدي، الذي قضى عام 2010 في انفجار قنبلة مفخخة، ثم مجيد شهرياري الذي اغتيل في السنة نفسها عبر تفجير سيارة مفخخة، ثم محسن فخري زاده والذي تحكي قصة اغتياله الكثير من الأسرار، وتطرح مئات الأسئلة التي لم تجد إجابات شافية، حتى اليوم.

في 27 نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام، كانت إيران مرتبكة بعد أن بدأت الأخبار تتسرب حول وقوع اغتيال لشخصية إيرانية بارزة،  ربما لعالم نووي إيراني مهم في المشروع النووي لبلاده. سرعان ما سيظهر الاسم، الرجل هو فخري زاده، أستاذ الفيزياء بجامعة الإمام الحسين بطهران، والعالم النووي الرفيع في إيران، الرجل الذي كان يوصف بأنه “رأس البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية الإيرانية”. كانت التقارير الصحفية الأولية مشوشة ومتناقضة، حيث أشارت المعلومات الأولية أن مجموعة من “القتلة” انتظروا مرور فخري زاده بسيارته من أجل الإجهاز عليه، فيما ذكرت مصادر أخرى أن شاحنة مفخخة انفجرت أمام سيارة فخري زاده، ثم خرج 5 أو 6 مسلحين من سيارة قريبة وفتحوا النار على الموكب.

بدأت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تنقل عن الحرس الثوري الإيراني قوله إن عملية الاغتيال تمت عبر “روبوت قاتل” وأن العملية برمتها تم تنفيذها عن بعد، وهو تفسير أثار شكوكا بل وسخرية كثيرة في البداية. ولكن سرعان ما تبين أنه كان حقيقيا تماما، فالعالم الإيراني وقع ضحية لرام آلي عالي التقنية مزود بذكاء اصطناعي وعدسات متعددة الكاميرات، يُشغل عبر الأقمار الصناعية وقادر على إطلاق 600 طلقة في الدقيقة، شيء شبيه بالمسيرات عن بعد، بيد أنه أخطر، فعكس المسيرات التي يمكن رصدها في السماء، لا يمكن استكشاف هذا الروبوت الموجود على الأرض بسهولة، وهو ما يجعل التعقيد الاستخباراتي في الملف أكبر.

استخدم الموساد تقنيات متقدمة لتتبع حركات فخري زاده ومعرفة نقاط قوة وضعف الحراسة التي ترافقه، وراقبوه على مدى أسابيع عبر عيونهم في طهران ليجمعوا أكبر عدد من المعلومات بهدف الإجهاز عليه، وقد كان. استخبارات قوية متخمة بالجواسيس، وسلاح فتاك، وإخفاق إيراني في حماية المناطق والشخصيات الحساسة، فكان المصير المحتوم: اغتيال فخري زاده، الرجل الذي ذكره نتنياهو بالاسم، حينما كان يستعرض مجموعة وثائق تمت سرقتها من الأرشيف النووي الإيراني.

ذئاب في طهران.. أجانب ومحليون أيضًا

في 6 يوليو/تموز 2022، أعلنت السلطات الإيرانية اعتقال مجموعة من الأجانب من بينهم “جايلس ويتاكر”، نائب رئيس البعثة البريطانية في طهران، بتهمة التجسس. وقد أتى الخبر في التلفزيون الإيراني بصيغة تقول إن هؤلاء الأجانب “كانوا يأخذون عينات من التربة في بعض المناطق المحظورة في مناطق وسط صحراء إيران، حيث كان الحرس الثوري يجري بعض التجارب الصاروخية الفضائية”.

دخل هؤلاء الأجانب إلى طهران بصفاتهم العلمية والأكاديمية والدبلوماسية، فمن بين المتهمين مثلا زوج إحدى الدبلوماسيات بالسفارة النمساوية. وقد اعتبرت بعض المصادر الإيرانية أن الهدف من أخذ عينات من التربة لم يكن الاطلاع على التجارب الإيرانية بقدر ما هو محاولة إثبات الرواية الإسرائيلية والأمريكية التي تقول إن طهران تحاول صنع قنبلة نووية، وهو جوهر الصراع القائم بين إيران والولايات المتحدة.

“المشكلة أن أعداء إيران لا يحتاجون أحيانا إلى إرسال أشخاص من الخارج، بل يجدون جواسيس يعملون لصالحهم من الداخل أيضا، من الإيرانيين أنفسهم”.

نفت الخارجية البريطانية وقتها كل ما ذكره التلفزيون الرسمي الإيراني من اتهامات، مؤكدة أن مزاعم اعتقال أي شخص تابع لبعثتها الدبلوماسية عارية تماما عن الصحة. ولكن بصرف النظر عن دقة الواقعة، فإنها تعكس حساسية السلطات الإيرانية تجاه “ضيوفها الأجانب”، ومساعيها لإبقائهم تحت الرقابة وهي مخاوف مبررة في ضوء المحاولات اللانهائية للاختراق الغربي. بيد أن الإشكال الحقيقي ليس في هؤلاء “الدخلاء”، بل في أن أعداء إيران لا يحتاجون أحيانا إلى إرسال أشخاص من الخارج، بل يجدون جواسيس يعملون لصالحهم من الداخل أيضا، من الإيرانيين أنفسهم.

في نهاية يوليو/تموز الذي شهد توقيف الشبكة الأجنبية، أعلنت الشرطة الإيرانية عن اعتقال شبكة تجسس تعمل لصالح الموساد وتخطط لعمليات وصفتها طهران بـ “المسلحة والتخريبية”. في بيان للشرطة الإيرانية، نجد أن الشبكة تتكون من 5 أشخاص من بينهم “زعيم جماعة انفصالية معارضة”، كانوا يخططون للقيام بعمليات “إرهابية” في مناطق حساسة داخل البلاد، إذ ضبطت أجهزة اتصال حديثة ومواد تفجيرية قوية وأسلحة، كما كان أعضاء هذه المجموعة يتواصلون مع ضباط في الموساد عبر دولة “مجاورة”، وفق الإفصاحات الإيرانية.

بحلول ذلك الوقت أصبح واضحا للإيرانيين أن الاختراق الإسرائيلي في صفوفهم أوسع وأعمق مما يبدو. لقد قررت إسرائيل رفع سقف اللعبة، والضرب في قلب طهران. وكما تشير منابر إعلامية عبرية، فإن الموساد تمكن بفضل جواسيسه من إنشاء قاعدة عسكرية داخل إيران، وخزن فيها بعض المسيرات المفخخة التي هربت إلى الداخل الإيراني، والتي استخدمت للهجوم على المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية.

نقلت المصادر نفسها عن مصادر أمنية رفيعة أن الموساد عمل لسنوات طويلة جنبا إلى جنب مع الجيش الإسرائيلي من أجل جمع معلومات استخبارية دقيقة، تمهيدا لتنفيذ تلك الضربة، حيث عملت فرق المظلات على جمع معلومات عن شخصيات بارزة في المؤسسات العسكرية الإيرانية بالإضافة إلى علماء نوويين. وقالت صحيفة هآرتس (Haaretz) إن هناك مركبات داخل إيران جهزت بأنظمة هجومية تمكنت من تفكيك قدرات الدفاع الجوي الإيراني، مما سمح للطائرات الإسرائيلية بتنفيذ مهمتها بسهولة نسبية.

لعب الجواسيس داخل إيران دورا محوريا في الحرب الأخيرة بين إيران ودولة الاحتلال بلا شك، ويبدو أنهم يلعبون نفس الدور في الحرب الحالية رغم كل جهود طهران لتقويض شبكاتهم. بداية من التوغل داخل كواليس برامج الصواريخ والأسلحة النووية الإيرانية والمواقع العسكرية الحساسة، وجمع معلومات دقيقة حولها تمهيدا لاستهدافها، وصولا ربما لتحديد المواقع الدقيقة لأهم القادة الإيرانيين، ومنهم المرشد الأعلى نفسه، أو على الأقل التواجد قرب هذه المواقع لجمع المعلومات حول تأثير الضربات.

متى بدأت إسرائيل بزرع هذه الشبكة؟ الأرجح أنه منذ وقت طويل. ما نعرفه أن مصدرا استخباريا إسرائيليا قال لصحيفة “التايمز”، إن تل أبيب كانت تراقب مواقع متعددة داخل إيران عن طريق عملاء موجودين على الأرض منذ عام 2010. وكانت الدلائل على ذلك قد بدأت تتواتر بالفعل حتى قبل ظهور معالم الاختراق الواضح خلال الحربين الأخيرتين، والمثال الأبرز على ذلك هي واقعة اغتيال رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس إسماعيل هنية في قلب طهران، في يوليو/تموز 2024.

وسائل إعلام إسرائيلية: الموساد ينشر توثيقا لعملائه أثناء قيامهم بتركيب أنظمة هجومية داخل الأراضي الإيرانية (مواقع التواصل)

قنبلة في غرفة هنية

شكل اغتيال إسماعيل هنية في قلب طهران، صفحة مغايرة كليا لما سبقها، فالاغتيال الذي لم تعترف إسرائيل بمسؤوليتها عنه رسميا، كان ضربة قوية للسيادة الإيرانية، حيث كان هنية ضيفا على الجمهورية الإسلامية لحضور حفل تنصيب الرئيس مسعود بزشكيان رئيسا.

خرج الكثير من التحليلات للطريقة التي استهدف بها إسماعيل هنية وسط طهران، ومنها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز حول أن عملية اغتيال هنية تمت بواسطة عبوة ناسفة هربت سرا إلى دار الضيافة التي حل فيها هنية ضيفا قبل شهرين من وصوله، علما بأن دار الضيافة تلك جزء من مجمع كبير في حي راق شمالي العاصمة طهران، يخضع لحماية الحرس الثوري الإيراني.

طرحت عملية الاغتيال هذه الكثير من الأسئلة المنطقية. في البداية حامت الشكوك حول قيام إسرائيل بقصف المبنى عبر طائرة مسيرة، فكان السؤال منطقيا عن الكيفية التي تمكنت بها من اختراق أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، وهو سؤال نعلم إجابته اليوم لأن الحربين الأخيرتين أبانتا أن جواسيس دولة الاحتلال تمكنوا فعلا من تسهيل قصف إيران واستباحة سمائها متجاوزين هذه الأنظمة.

ولكن كما اتضح لاحقا، فإن المنفذين استغلوا ثغرة مختلفة، في الأمن الداخلي لإيران، وفي مجتمع من المفترض أنه منغلق نسبيا ومحصن ضد الصهيونية حتى وقت قريب. ومما زاد العملية تعقيدا أن القنبلة خزنت طيلة أسابيع في انتظار قدوم هنية إلى طهران. وقد أكد الإيرانيون أنهم لم يفهموا حتى الآن طريقة زرع القنبلة، بيد أن طريقة الاغتيال كانت تشبه بطريقة أو بأخرى عملية الاغتيال عبر السلاح الآلي الذي يعمل بواسطة الذكاء الاصطناعي عن بعد، واستخدم في اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده.

حفرة في الضاحية

لم يكن الزعيم الراحل لحزب الله نصر الله يعتقد على الأرجح أن إسرائيل ستقدم على قتله. صحيح أنه أشار إلى ذلك غير ما مرة، لكن ربما في قرارة نفسه اعتقد في وقت من الأوقات أن دولة الاحتلال لن تخاطر بإشعال نيران المنطقة باستهدافه. ولكن في يوم 27 سبتمبر/أيلول 2024، وبينما كان الأمين العام لحزب الله داخل حصن تحت الأرض على عمق أكثر من 10 أمتار، رافضا طلب مساعديه بالانتقال إلى مكان أكثر أمانا، ومستبعدا أن تلجأ تل أبيب إلى تصعيد ينال منه، وصلته نيران أعدائه.

كانت دولة الاحتلال تراقب نصر الله عبر عملائها، تمكنت من رصد تحركاته بكل دقة منذ سنوات طويلة. في يوم الاغتيال، وبعد أن رفض نصر الله التحرك من مكانه بفترة قصيرة، كانت طائرات “إف-15” الإسرائيلية تنثر المتفجرات وتدمر الملجأ بالكامل، مما أودى بحياة “سماحة السيد” وقادة كبار في حزب الله. وفي صباح اليوم التالي، وجد المسعفون جثمان نصر الله بجانب اللواء عباس نيلفروشان، نائب قائد العمليات في فيلق القدس.

لقد كان الوصول إلى نصر الله بمثابة تتويج لعمل استخباري إسرائيلي دؤوب على مدار عقدين، منذ وجه الحزب ضربة لهيبة الاحتلال عام 2006، لم يعرف لها نظيرا منذ عام 1973. وقد كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لها نقلا عن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين وأوروبيين أن دولة الاحتلال وجواسيسها يتغلغلون الآن في مفاصل حزب الله إلى درجة لا يستوعبها قادة الحزب أنفسهم، بل وتمكن عملاء الموساد من زرع أجهزة تنصت تسجل محادثات شخصية لبعض القيادات.

تعتبر إسرائيل حزب الله عدوا وجوديا لها، ولذا كانت محاولات اختراقه عديدة، كما حدث عام 2012 عندما “سرقت” وحدة 8200 الشهيرة في الجيش الإسرائيلي معلومات حساسة حول مواقع اختباء قادة الحزب وترسانة صواريخه. وقد استمرت محاولات التغلغل حتى أواخر العام 2023، عندما اشتبه تقني من حزب الله في بطاريات أجهزة البيجر اللاسلكية، فوصل الشك إلى قيادات الحزب الذين أرسلوا بعض هذه الأجهزة إلى إيران للكشف عنها. بيد أن جواسيس إسرائيل أبلغوا تل أبيب بذلك، فسارع القادة الإسرائيليون بطلب الضوء الأخضر من نتنياهو لبدء عمليات التفجير حتى تنقذ العملية، وهو ما تم لاحقا في عملية دموية شاملة بالضاحية الجنوبية في بيروت.

من الجدير بالذكر في موضوع البيجر أن ضابطة استخبارات إسرائيلية وضعت خطة عام 2018 تستخدم التقنية نفسها لزرع مواد متفجرة في بطارية جهاز البيجر، لكن المسؤولين الإسرائيليين رفضوا الخطة كون الأجهزة لم تكن مستعملة على نطاق واسع داخل الحزب. مع مرور السنوات دفعت إسرائيل حزب الله دفعا نحو هذا النوع من الأجهزة بعد أن اخترقت العديد من الهواتف الذكية لقيادات الحزب ومسؤوليه، كما نشرت الوحدة 8200 مجموعة أكاذيب عبر مواقع التواصل الاجتماعي بواسطة روبوتات عن قدرتها الخارقة في اختراق الهواتف النقالة، فكانت أجهزة البيجر هي الخيار الآمن.

“لم تكن عملية البيجر مكتملة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 عندما عبر مقاتلو المقاومة السياج الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة، لكن ما حدث يومها غير كل شيء”.

بالتزام، أقدمت الاستخبارات الإسرائيلية على اختراق شركة “غولد أبولو” (Gold Apollo) التايوانية، المعروفة بإنتاج أجهزة البيجر، عبر شركات وهمية وسيطة، حتى بات الموساد يشرف “عمليا” على إنتاج الأجهزة التابعة للشركة، بل وبدأ في التسويق للأجهزة لمشترين تابعين لحزب الله مع تقديم تخفيضات إذا اشتريت كميات كبيرة. في مارس/آذار 2023، قدم الموساد لنتنياهو نموذجا لجهاز البيجر الذي سيفخخ يوما ما، غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي وعددا من كبار قادته اعتبروا أن الجهاز ليس صلبا كفاية للتعويل عليه في عملية معقدة من هذا النوع.

لم تكن عملية البيجر مكتملة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 عندما عبر مقاتلو المقاومة السياج الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة، لكن ما حدث يومها غير كل شيء. في غضون أشهر باتت إسرائيل أكثر حزما على استئصال خصومها جذريا، وفي مقدمتهم حزب الله. لذلك، وبحلول 11 سبتمبر/أيلول 2024 علمت دولة الاحتلال أن حزب الله أرسل بعضا من هذه الأجهزة إلى إيران للكشف عنها. وبعد خمسة أيام فحسب اجتمع نتنياهو مع كبار القادة الأمنيين للبحث في ملف تفجير البيجر، ليتم التصريح بالعملية في اليوم التالي.

الموساد.. في الغرب أيضا

ليس العرب وحدهم من تمكنت إسرائيل من إقناعهم بأنها باب الموت الذي لا يستطيعون المرور منه، بل والغربيون أيضا، الذين ارتبط الموساد في نظرهم بالعمليات الدقيقة والعبقرية، مما جعل الإسرائيليين وكيلا مناسبا وحليفا يدعم معارك الدول الغربية في وجه أعدائها، بداية من الشيوعية وصولا إلى “الإرهاب الإسلامي”.

بيد أن هذه الصورة في الحقيقة حملت في طياتها الكثير من الدعاية، ففي كتاب “جواسيس ناقصون: تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية” للكاتب والصحفي الإسرائيلي يوسي ميلمان والمراسل دان رافيف، نجد قائمة طويلة من العمليات الفاشلة للموساد، ولأسباب عديدة منها ضعف المؤسسة، والتنافس بين التيارات المختلفة داخل الجهاز نفسه، وعدم وجود سيطرة حقيقية للقوى السياسية على الجهاز، ولذلك فإن إخفاقات الموساد توازي في الحقيقة نجاحاته إن لم تفوقها.

ويشرح الكتاب الذي صدر عام 1990 بعض أوجه الفشل التي ظهرت جليا في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث يقول إن الموساد أعماه الإيمان بقوته التي لا تقهر عند تقديره لقوة مصر وسوريا عام 1973. حيث يؤمن الإسرائيليون بأن العرب قاصرون وضعفاء وغير قادرين على فتح باب مواجهة إسرائيل، ومن ثم فالعرب يصعب أن يبدؤوا بالهجوم لأنهم يعرفون صعوبة تحقيق النصر، لا سيما بعد أن خرجت مصر من الصراع بعد اتفاقية السلام عام 1979.

بيد أن تلك الهالة كثيرا ما انقشعت قبل وبعد 1973، ومنها في خضم الصراع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذاتها، التي نجحت هي الأخرى في اختراق إسرائيل. فقبل أن تسن دولة الاحتلال سيوفها وتشن حربها على إيران، كانت أجهزتها الأمنية قد كشفت شبكة واسعة من مواطنين إسرائيليين يتجسسون لصالح إيران، وكان الجواسيس منتشرين بطريقة فاجأت إسرائيل نفسها، أي أن معركة الاختراق الاستخباري كانت متوازية، على عكس ما يروج في الفترة الأخيرة.

“بحلول أبريل/نيسان 2024 كانت إسرائيل قد وجهت اتهامات لأكثر من 30 إسرائيليا بالتعاون مع الاستخبارات الإيرانية”.

في تقرير لها، قالت صحيفة “الغارديان” إنه في أبريل/نيسان 2024 كانت إسرائيل قد وجهت اتهامات لأكثر من 30 إسرائيليا بالتعاون مع الاستخبارات الإيرانية. وفي حالات كثيرة بدأ الاختراق برسالة مجهولة تعرض أموالا مقابل معلومات أو تنفيذ مهام بسيطة، ثم تزيد المهام خطورة مع الوقت، وتزيد المكافأة المالية.

تبدأ الدائرة برسالة نصية من مرسل مجهول من “وكالة أنباء” تقول: “هل لديك أي معلومات عن الحرب؟ نحن مستعدون لشرائها”. وتتضمن رابطا خارجيا لتطبيق تلغرام، وإذا انتقل الإسرائيلي إلى المرحلة الثانية، فإنه يجد شخصا يستخدم اسما إسرائيليا يعرض عليه بعض الأموال مقابل مهام بسيطة.

مثلا، أحد الإسرائيليين عرض عليه مبلغ ألف دولار عبر تطبيق “باي بال” مقابل التحقق من وجود حقيبة سوداء مدفونة في حديقة عامة، ثم بعد ذلك طلب منه تنفيذ مهام من قبيل توزيع المنشورات وتعليق الملصقات وكتابة الشعارات المناوئة لنتنياهو على الجدران. ثم مر هذا الجاسوس بعد ذلك إلى مرحلة ثالثة طلب منه فيها تصوير منزل عالم نووي يعمل في معهد فايتسمان، الذي استهدفته إيران بعد ذلك بصواريخها الباليستية.

وهناك من كانت مهامه أعقد من ذلك، مثل أحد الإسرائيليين من أصول أذرية، الذي استأجرته طهران لالتقاط صور لمنشآت حساسة، قبل أن يتحول المشروع إلى مشروع عائلي انضم له بعض أقربائه، حيث صوروا مرافق ميناء حيفا، الذي استهدف لاحقا بصواريخ إيرانية أثناء حرب الاثني عشر يوما، وقاعدة نيفاتيم الجوية في النقب، التي استهدفت بهجوم صاروخي، وبطاريات الدفاع الجوي بالقبة الحديدية في مناطق مختلفة، ومعقل الاستخبارات العسكرية في قاعدة غليلوت شمالي تل أبيب.

تقول الوثائق التي حصلت عليها “الغارديان” من المحكمة إن جهود التجسس الإيرانية هذه لم تحقق طموحات طهران، ولم تمكنها من تنفيذ عمليات اغتيال رفيعة المستوى لمسؤولين إسرائيليين. بيد أن الإيرانيين لم يبدؤوا في عملية التجسس بالضرورة من أجل الوصول إلى رؤوس إسرائيلية كبيرة بهدف اغتيالها على غرار ما فعلته إسرائيل، بل من أجل جمع بيانات عن مواقع استراتيجية استهدفت بعد ذلك عبر الصواريخ الباليستية الإيرانية.

صحيح أن مستوى الاختراق الإيراني لم يحقق حتى الآن ما تصبو إليه إيران، إلا أن الواقع يقول إن المجتمع الإسرائيلي هو الآخر يعاني أوجه هشاشة لا حصر لها، ويعج بالأشخاص الذين يبحثون عن مصالحهم الشخصية قبل أي شيء. ولذا، قد تتخذ حرب التجسس بين طهران وتل أبيب أبعادا جديدة في قادم الأيام، مع احتدام المواجهة، خاصة إذا طال أمدها.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

زر الذهاب إلى الأعلى